زار الأمير الحسن بن طلال الخرطوم في الفترة من 12 إلى 14 سبتمبر الجاري بدعوة من مجلس التعايش الديني السوداني، بصفته المنسق العام للمؤتمر الدولي للأديان من أجل السلام ورئيس المعهد الملكي للدراسات الدينية بالأردن، ومجلس التعايش عضو في مؤتمر الأديان للسلام وقد حضر عدد من أعضائه الاجتماع الثامن للمؤتمر باليابان في الأسبوع الأخير من أغسطس الماضي.

حيث ألقى الأمير كلمة قوية دعا فيها للسلام القائم على العدالة خاصة في منطقة الشرق الأوسط. كانت زيارة الحسن للخرطوم ناجحة بكل المعايير، فقد غطت البعد الشعبي والرسمي كما تطرقت للقضايا السياسية والثقافية والاجتماعية. فمن الناحية الشعبية التقى الأمير بالمكتب التنفيذي لمجلس التعايش الديني الذي تشترك في عضويته القيادات الإسلامية والمسيحية على قدم المساواة.

واستجاب لدعوة عشاء كريمة في دار الإمام الصادق المهدي حفلت بألوان الطيف السياسي والفكري والإعلامي وتبادل فيها المضيف والضيف أحاديث فكرية معمقة حول أحوال الأمة العربية والإسلامية وكان المهدي كريما في خطابه المكتوب فلم يخض في أوحال السياسة السودانية، وشنفت فرقة الأنصار الموسيقية آذان المدعوين بأناشيد وطنية وأخرى أنصارية.

وهتفت جموع الأنصار المحتشدة بشعارها المحبب «الله أكبر ولله الحمد» (القديمة)، وليت الفرسان الذين استقبلوا الضيوف على صهوات الخيل كانوا يرتدون الزى الأنصاري بدلا من التيشيرت والبنطلون! والتقى الأمير الحسن مع الجمهور السوداني في محاضرة عامة بقاعة الصداقة عن «التعددية الثقافية في العالم الإسلامي»، كما التقى بالنخبة في حوار حول أوضاع العالم العربي.

وكانت الدولة كريمة في احتفائها بمقدم الأمير فقد عاملته معاملة شبيهة برئيس دولة، فقد التقى برئيس الجمهورية في أول يوم وصل فيه، والتقى بنائب رئيس الجمهورية علي عثمان محمد طه الذي استضافه في دعوة غداء باليخت الرئاسي استمتع فيه المدعوون بفن رفيع أجاد به الفنان الكبير عبد الكريم الكابلي وشعر رصين أنشده الدكتور الحبر يوسف نور الدائم الذي استمتع مثل الآخرين بأغاني الكابلي.

كما اجتمع الضيف الكبير برئيس المجلس الوطني أحمد إبراهيم الطاهر وعدد من رؤساء لجان المجلس، وبكبير مساعدي رئيس الجمهورية منى أركو مناوي الذي أحسن صنعا بتقديم مريم عبد الرحمن كلبس التي بلغت بلسان مبين ملخص رسالة دارفور إلى الضيف الزائر وهى أنهم افتقدوا كثيرا الحضور العربي في مشكلة دارفور في مفاوضات السلام وأيضا في مساعدة النازحين واللاجئين من أهل دارفور في شتات الأرض.

والتقى الأمير بأزهري التجاني وزير الإرشاد والأوقاف الذي استضافه كذلك في دعوة غداء بالمطعم الأميري. وكان أحمد عبد الرحمن أمين عام الصداقة الشعبية كريما ومضيافا كالعهد به فقد جمع للأمير صفوة مجتمع الخرطوم في غداء بحدائق المقرن وأدهش الناس بقوله انه في وقت سابق أهدى للأمير الحسن راتب الإمام المهدي موشى بخطوط الذهب، وقد كان المتوقع أن يهديه «المأثورات» للإمام حسن البنا!

ولعل سر الإقبال السوداني على الاحتفاء بالأمير الحسن هو أنه سليل الدوحة النبوية الهاشمية وأهل السودان لا يضاهيهم أحد في حبهم للمصطفى (صلى الله عليه وسلم) وآله الكرام فقد انفرد السودان بتراث لا مثيل له في مدح الرسول (صلى الله عليه وسلم) ينشد حتى في مناسبات الأعراس وفى البدو والحضر، ولأنه انصرف بكل طاقاته إلى القضايا الفكرية والإنسانية والتواصل مع المجتمعات الاقليمية والدولية.

وفوق ذلك لأنه يحب أهل السودان فقد ذكر العديد من حضور أحاديثه أنهم التقوا به في باحة منزله دون سابق معرفة. قالت احدى السيدات أنها كانت تركب طائرة أردنية متجهة من لندن الى عمان ولما عرف الأمير، الذي كان يستقل الطائرة، بوجودها ضمن المسافرين جاء وجلس بالقرب منها ليعبر لها عن مدى تقديره لأهل السودان.

وحرص على أن يلتقي بأبناء الراحل محمد عمر بشير في قاعة الصداقة حتى يعزيهم في والدهم الذي عرفه منذ أن كانا طالبين في جامعة أكسفورد. والسودانيون، أهل بداوة، يأسرهم صنع الجميل والوفاء للعشرة الطيبة، فما بالك ان جاءت من أمير هاشمي دون معرفة.

وكانت رسالة الأمير الحسن التي وجهها الى النخبة السودانية تتلخص في أن للأفكار قوة ذاتية ينبغي أن نعني بها حتى تنير لنا الطريق لبناء مجتمعاتنا في وسط المدلهمات والعوائق التي تحيط بنا، وأن التواصل مع الآخر من بني جلدتنا ومن الأمم الأخرى هو الطريق الصحيح للتآخي والتعايش والتعاون لبناء السلام في العالم.

وأن رفع الضرر عن الفقراء والمستضعفين و«المهمشين» (هكذا قالها دون ايعاز من أحد!) هي ضرورة دينية وأخلاقية وعدلية. وعرض الأمير على المسؤولين والنخبة أنه على استعداد لاستخدام شبكة علاقاته الإقليمية والدولية من أجل نصرة القضايا السودانية، فقط على أهل السودان أن يأخذوا زمام المبادرة.

خوفي الكبير ألا يلتقط القفاز أحد ليس شكاً في صدقية العرض أو فائدته ولكن بسبب الاهمال وعدم الجدية وضعف القدرة على اقتحام الساحات الجديدة!

أكتب في هذا المقال لأول مرة اسم المؤسسة التي أعمل فيها (مجلس التعايش الديني السوداني) لأني دهشت من حجم الأخطاء التي وردت في ذكر اسمها بالصحف وكنت أحسب أنها أصبحت علما في دنيا المنظمات الطوعية بعد ثلاث سنوات من النشاط في مجال العمل العام، ولكن يبدو أننا نحتاج لعشر سنوات أخرى حتى يتذكر كتاب الأعمدة والأخبار في الصحف اسم منظمة تتكون من أربع كلمات!

كاتب سوداني وعضو مجلس التعايش الديني