بعد إعلان النتائج المتوقعة في الانتخابات الرئاسية اليمنية في الأسبوع الماضي يعود السؤال من جديد حول سقف الجمهوريات العربية في التجديد والتغيير من داخلها وبشكل سلمي، ويبدو أن العرب قد استهووا تبديل المصطلحات حتى أصبح الشاذ هو السائد.
الفكرة الأصلية في الحكم الجمهوري هو تبادل السلطة السلمي في زمن محدد،وقد قننته القوانين الحديثة في كثير من الدول حيث يكون له سقف زمني لا يحق للشخص مهما أوتي من قدرات وحقق من منجزات أن يتجاوزه.
ولذلك حكمة، لان الفكرة العامة في «الجمهورية» هي التبدل والتداول، حيث ينتج المجتمع قيادات جديدة تقوم بمحاولة حل المشكلات المتجددة، ولان البشر بطبيعتهم يميلون إلى الارتكان للمألوف فلا يصبح رؤية التجديد إلا خبث وسوء طوية.
هذا المفهوم التجديدي، استنسخ ليس في اليمن وحدها ولكن في مفهوم وممارسة الجمهورية العربية الحديثة التي لا تتردد في أن تقدم كرسي الحكم في بلادنا إلى «شخص» بعينه طوال حياته،وقد تورثه إلى خلفه من ذريته بعد وفاته،كل ذلك بانتخابات «شرعية» وصناديق انتخاب «شفافة» وتحت اسم «الجمهورية»!
على حسبة الأرقام التي أعلنت في الانتخابات اليمنية الأخيرة، فان قطب المعارضة الأبرز فيصل بن شملان قد حصل على 21 في المئة من الأصوات العامة،وأن الرئيس علي عبد الله صالح قد حصل على 77 في المئة من الأصوات وأكثر، وهي أرقام لا تقبل الشك، فقد كانت متوقعة.
إلا انه بحسبة بسيطة يحتاج أي معارض جدي في اليمن إلى ثلاث دورات، هذا بافتراض أن يحقق نسبة أصوات مضاعفة كل مرة، كي يصل إلى الثمانى وأربعين في المئة من الأصوات ليقترب حديا من المنافسة،ويحصل الرئيس في نفس الوقت على ثلاث دورات، أمد الله في عمره، أي احدى وعشرين سنة.
حسابيا من المتوقع أن يحصل احتمال تداول سياسي في قمة الحكم اليمني، بعد ثماني وأربعين سنة من الحكم الجمهوري الفردي،وهو في هذا الحال يعني عام 2027 أبقاكم الله جميعا!!
للإنصاف فان الرئيس علي عبد الله صالح قد أعلن منذ أكثر من عام انه غير راغب في التجديد ودعا الجماهير اليمنية أن تقرر ما تريد ومن تريد للرئاسة، إلا أن تلك الجماهير كما نعلم جميعا قد أبت إلا أن تطالب وبإلحاح عودة الرئيس عن قراره «غير الديمقراطي» لان من يحق له أن يقرر من يحكم هو الشعب اليمني ومن يقرر كفاءة الإدارة هو الشعب نفسه ولا غيره.
كان الرهان على من سينال ثقة الشعب في هذه الانتخابات، هل هو الرئيس أم مرشح آخر، وخسر من راهن على غير الرئيس.إلا أن الأمر له وجهة نظر أخرى،دبلوماسي يمني التقيت به في أوروبا قبل أسابيع، ناقش المسألة من زاوية أخرى قد تغيب عن البعض، قال إن الجيد والجديد في الانتخابات الرئاسية اليمنية المقبلة (قبل أن تقع) هي إنها تنافسية، وهناك أكثر من مرشح يطوف على الناس ويحضر اللقاءات الانتخابية الجماهيرية،.
وينتقد القائم من السياسات ،وهي ظاهرة صحية بكل معنى من المعاني في فضائنا العربي المقفر من هذه المظاهر ،وقد وافقته على أن الظاهرة صحية، إلا أن الخلاف حول ماذا تقود إليه،هل إلى تنافس حقيقي، أم إلى تكريس عزل شريحة من الشعب وربما تشاؤمهم من التغير الحقيقي الذي له معنى؟
صديقي اليمني الواقعي له حق إذا قارن ما يحدث في اليمن بمناطق «جمهورية» أخرى من عالمنا العربي، حيث لا مرشح بديل،ولا نقاش عام، بل هو شخص واحد، من كثرة ما لصقت عيون الناس بصورته لا ترى له بديلا آخر، حدث ويحدث هذا في أكثر من عاصمة عربية،حتى جرى العرف العربي أن يحتار الناس في البديل ويتمنوا «طول عمر الرئيس»!.
اليمن بلاد لا يسهل حكمها، وبقاء الرئيس علي عبد الله صالح طوال هذه الفترة الزمنية التي قاربت ثلث قرن في الحكم، يحسب له لا عليه، فاليمن بلاد فقيرة نسبيا فيها الصراع القبلي والمناطقي على أشده، بلاد جبلية شاهقة وسهول عريضة، يختفي فيها أن أردت حتى الشيطان ! وهي لسنوات خلت، بلاد متخلفة بالمعنى الحقيقي للتخلف، ومنقسمة على نفسها، فهي تنافي بمعطياتها الاستقرار الذي حققه علي عبد الله صالح.
فالانجاز اليمني في الزمن الذي انقضى ليس سهلا أو ميسورا، ولا بد أن الرئيس علي عبد الله صالح له من القدرات الشخصية والذكاء ما قدر به أن يمخر عباب البحر السياسي اليمني المتقلب بقدرة مشهودة. .
فالشعب اليمني كبير العدد متعدد الحاجات، موارده الاقتصادية من جهة أخرى محدودة، رغم تمتعه بموارد بشرية نسبية مؤهلة فان هيكله الاقتصادي ضعيف ومستوى معيشة الناس منخفض وقد استقطبت معظم موارده الصرف على السلاح، مع إشاعات بالفساد. وعلى الصعيد العربي لعب اليمن على تواضع إمكانياته الدور الأهم في الصيحات العربية المتوالية، فهو أول من رشح كادرا من أبنائه عندما وجد أن العرب غير مستقرين على أمين عام للجامعة العربية.
مما دعا إلى سرعة تسمية الأمين العام الحالي عمرو موسى، واليمن هو أول من يدعو إلى قمة عربية في الملمات العربية. إلا أن سياسته العربية ما زالت تشوبها ظلال من «اليسارية القومية» فات وقتها، وربما هي انعكاس عميق لتسيس طويل المدى في قطاع واسع من الجمهور اليمني، تلك السياسة وان بدأت رابحة على الصعيد الكلامي الشعبي، خاسرة على صعيد الأمن الوطني اليمني متوسط وطويل المدى و خطرة على فرص التنمية أيضا.
فهي تحرم اليمن من تدفقات تنموية عربية مستحقة للشعب اليمني، طالما أن اليمن تشجع التعنت عن بعد،على أساس أن لا ضير عليها من ذلك كونها بعيدة جغرافيا، إلا أن هذه السياسة تقود إلى حرمان اليمن في نهاية المقام بسبب الإنفاق العربي على السلاح والأمن، ويفقد العرب ، ومن بينهم اليمن، فرص استثمار إنساني طويل المدى.
الولاية الجديدة لعلي صالح في بلاد السهل والجبل ليست هينة أو بسيطة،وعلى الخطوات التي سوف يتخذها سيبنى استقرار أو عدم استقرار اليمن. فالديمقراطيات الحديثة تعاف الوجوه المكررة، حتى لو انتخبتها، وفي المثال البريطاني الحالي والسابق عبرة، فالسيد توني بلير يواجه صعوبات جمة في الحكم، رغم استمرار ولايته الدستورية القانونية.
كما واجهت السيدة مارجريت تاتشر صعوبات وهي في قمة النجاح ولديها أغلبية في البرلمان، إلا إنها تعاف أيضا عدم الوفاء بالوعود. وتقرر الدساتير الجمهورية الحديثة سقف لفترة زمنية لا يتجاوزها «الزعيم» في سدة الحكم، مهما أبلى من نجاحات سياسية، فهناك كما يقول المثل الانجليزي، الكثير من الذين لا يستغنى عنهم في المقابر!!
اليمن كجزء من البلاد العربية الجمهورية مختلف جزئيا، إلا أن الشعور الإنساني موحد. فهناك استحقاقات على علي عبد الله صالح مقبلة وصارمة.
منها على سبيل المثال لا الحصر «تدوير النخبة اليمنية» فهناك جيل كامل متعلم يتطلع إلى المشاركة في «السلطة والثروة» وهناك مناطق بأكملها تحتاج إلى جهود تنموية حقيقية،وهناك سياسات عربية تستحق أكثر من الخدمة اللفظية بالعمل الحقيقي، وهناك نقص في فرص التعليم والتطبيب والإسكان البنى التحتية، لم يعد الشعب اليمني بغافل عنها أو غير مدرك لأهميتها. لا يعتقد أحد في ظل التواصل العالمي القائم إنها خافية على متخذ القرار في صنعاء.
الشعارات تغيرت والأهداف تحولت، ورجال الأمس ليس بالضرورة على بينة بمتطلبات اليوم والغد، ورغم أهمية الشعارات فان الناس تريد في نهاية اليوم أن تأكل خبزا.
كاتب كويتي
