خرجت بريطانيا العظمى من كل مستعمراتها في قارات العالم، وتبعتها فرنسا وبلجيكا وبقية الدول الاستعمارية الأوروبية، وكانت شراسة أسبانيا في أميركا الجنوبية الأعنف، ومع ذلك كانت أول الخارجين من تلك القارة.
التاريخ يكرر بعض الأحداث، فالمتورطون في حرب أفغانستان والعراق، تجاهلوا طبيعة الحروب التي ينتصر فيها الأقوى في شهورها، أو سنواتها الأولى، لكنه يغرق في لواحقها ونهاياتها الصعبة، ولعل أميركا التي قادت المعارك والانتصارات، وذهبت إلى أبعد نقطة معتقدة أنها الفصل الجديد الذي يفرض ثقافته، وتعميم سلوكه، أخطأت بقراءة طبيعة الشعبين والعقيدة الواحدة، وتراثهما، ورفضهما جسماً أو أجساماً أخرى تريد اغتصاب السلطة واعتساف الواقع وتحويله إلى نموذج خارجي.
ومع أن مبدأ الحرب قام على ضرب قواعد الإرهاب في أفغانستان، وإزالة دكتاتورية صدام من أجل روائح النفط، فإن هبوب الرياح الداخلية في البلدين قلبت سفينة العبور، وصار الجهر بالأزمات المتلاحقة للجيش الأميركي - البريطاني وبقية فرق الاحتلال لم يعد تتعهد أخباره الدوائر الرسمية التي تعطي بعض الحقائق وتخفي أكثرها، بل صار العلن جزءاً من كشف نتائج الحرب، وصار بوش وبلير يوضعان في قائمة أسوأ زعيمين لبلديهما.
فقد تنامت قوة طالبان لدرجة أن الحالة النفسية لجنود الاحتلال أخذت تقايض بعض الأسلحة مع الأفغان بالأفيون والمخدرات، فصارت المقاومة هناك تحارب بسلاحين عسكري من ترسانة تلك الجيوش، ومخدرات من مزارع طالبان، وهي حالة انتحار جاءت من نتائج المغامرات العسكرية التي لم تقدر النتائج، التي استدعت أن يعيش الجنود حالة فزع وموت باتجاهين.
في العراق، الحصاد كبير في الأرواح للعراقيين والأميركيين، فتحول العراق إلى مطبخ كبير يجمع مختلف العناصر التي ستنجب أجيالاً جديدة، بوسائل وخطط مغايرة لتلك التي قادها أوائل الإرهابيين في القاعدة وطالبان، ووقوع العراق في الجغرافيا الحساسة، والمعقدة، ومثلها أفغانستان قد يجعل تمدد قواعد الإرهاب يتعدى حدود البلدين، وتلك هي محاصيل الحرب، والإدارة السيئة لها، والمنظور البعيد عن الواقع، وكيف أن حروب القوى العظمى تخلق ما يقهرها بأقل الوسائل وأسهلها.