بعد غياب قصير ومحادثات مطولة، وتكرار لنداء الرئيس ابو عمار امام الأمم المتحدة بعدم اسقاط غصن الزيتون، يعود الرئيس محمود عباس الى الوطن ليجد ان الخريطة السياسية الوطنية وليس خريطة الطريق، قد انقلبت رأسا على عقب وان التجميد لاتفاق حكومة الوحدة قد اصبح اعلان وفاة، وان كل المحادثات الفلسطينية - الفلسطينية كانت مضيعة للوقت، وقد عدنا الى نقطة البداية والصفر كما قال ابو مازن نفسه في القاهرة.
صار كل طرف يفسر الاتفاقات، بما في ذلك وثيقة الوفاق الوطني، كما يريد وعلى مقاسه تماما، وسمعنا من يتحدث عن احتمالات الحرب الاهلية مباشرة ودون اي مواربة، كما اشار الدكتور محمود الزهار وزير الخارجية في تعليق له على تطورات الوضع الراهن.
ولم تتأخر اسرائيل كما هي عادتها دائما، عن المساهمة في تعقيد الامور المعقدة اصلا، وصب الزيت على نار الخلافات الفلسطينية الداخلية، حين اشارت وزيرة خارجيتها تسيبي ليفني الى ان اي حديث عن الانسحاب يجب ان يكون الى حدود جديدة وليس الى حدود 1967 هذا وهي تطالب باعتراف اي حكومة فلسطينية باسرائيل كشرط لأي تفاوض، وبذلك يصبح السؤال الجديد: الاعتراف باسرائيل ضمن اية حدود؟.
لقد كانت المواقف والممارسات الاسرائيلية على مر سنوات الاحتلال الطويلة العائق الرئيسي امام اي تسوية، وتصريحات ليفني تجد ترجمتها في الجدار والمستوطنات وضم الاراضي في الضفة، وهو موقف يجب ان يكون دافعا وسببا اضافيا لنا لتوحيد مواقفنا والسعي لمواجهة التحديات، لا ان يكون سببا جديدا للاختلاف.
نحن اليوم نواجه المأزق الاقتصادي والسياسي الخانق، وقد اكد المجتمع الدولي، سواء في اللجنة الرباعية او الولايات المتحدة، ان اي حكومة وحدة فلسطينية يجب ان تعترف بالشرعية الدولية والشرعية العربية، ودون ذلك فان الاوضاع الحالية مرشحة للاستمرار... والانفجار، مع استمرار الاضراب وحالة الفلتان الامني المدمرة وتصاعد الاتهامات بين حركتي فتح وحماس والتي وصلت، كما قلنا، مرحلة الحديث عن احتمال وصولنا الى حرب اهلية.
اننا بعد انتفاضتين، وبعد عشرات السنين من التضحيات والصمود وآلاف الشهداء وعشرات آلاف الجرحى والاسرى، وبعد احلام طويلة وكبيرة، نجد انفسنا وجها لوجه امام تغليب للمصلحة الحزبية على المصلحة الوطنية، وامام قوى لا تفكر سوى في المناصب والمراكز، بينما الزورق الذي نبحر فيه يوشك ان يغرق كليا ويغرقنا معه. ان المواطن الفلسطيني الذي يجد نفسه امام آفاق اقتصادية وسياسية مغلقة، يتملكه الاحباط والالم مما يحدث ويملأ نفسه وقلبه الحزن مما يراه.
ان وضعا كهذا لا يمكن ان يستمر، وشعبنا الذي قدم ويقدم كل هذه التضحيات يستحق شيئا افضل بكثير، ولا بد من ايجاد مخرج وهذه هي مسؤولية القيادة الفلسطينية التي يقف على قمتها الرئيس ابو مازن ومنظمة التحرير، كما هي مسؤولية حركة حماس التي تحظى بدعم المجلس التشريعي المنتخب.
اننا جميعا ننتظر عودة ابو مازن لمعرفة اي اجراءات قد يتخذها، واي خطوات قد يحققها فعلا، واي حلول عملية سيطبقها لأن الوضع الحالي لا يمكن ان يستمر ولأن الكلام والبيانات والتمنيات صارت بضاعة فاسدة، لا يتقبلها اي مواطن ولم يعد يستمع اليها حتى لا نقول يقتنع بها.