رغم صعوبة تصديق حجم التخريب السياسي الذي خلفه الاستعمار الأنجلو- فرنسي في أواخر النصف الثاني من القرن الماضي والظلال السوداء التي اسدلت معاهدة سايكس- بيكو خيوطها المتشابكة على العالم العربي فارضة حالة تقسيمية لا شكل ولا طعم ولا رائحة لها.
وصعوبة التسليم بما تشهده المنطقة منذ ذلك الحين من تقديس لتلك النتائج القاتمة والتشبث حتى بالأظافر بمفهوم القطرية وتطبيقاته التي كرست وربما إلى الأبد حالة من التجزئة فرضها الاستعمار الأنجلو- فرنسي منذ أن وطأت أقدامه أرض العرب والعروبة.
السنوات الأخيرة شهدت خطوة جديدة لكنها عميقة الدلائل بهذا الاتجاه التقسيمي تجلت بطرح شعار ينادي بالقطرية أولا ومن ثم فلتحترق روما وراح المواطن العربي يسمع شعارات على غرار:
«الأردن أولا» أو « مصر أولا» أو « لبنان أولا »®®.إلخ من النظرة الأولى قد يبدو هذا الشعار منطقيا، إذ أنه من طبيعة الأشياء أن يحرص المرء أولا على نفسه ومن ثم تبدأ الحلقة بالاتساع تدريجيا وصولا إلى اهتمامه بمحيطه الإنساني الكوني.
لكن إذا ما اقتصرت دائرة الاهتمام على الذات فقط، سواء كانت قطرية أو قومية أو حتى عالمية، فإن تلك مصيبة ولا ريب، ما يذكر بقصة ذلك الرجل الذي كان مبحرا على متن سفينة كبيرة مع الكثير من المسافرين الآخرين وخطر بباله أن يحدث ثقبا في القمرة التي كان ينزل فيها، مدعيا أنه يملك كامل الحرية في التصرف كما يشاء بالمكان الذي يشغله.
وهنا تبرز شعارات أخرى تعبر عن تطلعات حقيقية لسكان أي بقعة في الأرض، شعارات تتعلق بالتكامل الإقليمي أو القومي ولا سيما أن الجميع يدرك بأن تكاملا من هذا النوع بات يشكل ضرورة ملحة لا استغناء عنها في مثل هذا الزمن الذي نعيش فيه والذي لا مكان فيه للضعفاء وقصار القامة.
وإذا ما أخذ بعين الاعتبار أن التجارب التكاملية على شتى الصعد، الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية منها، إنما تتم بين شعوب أو أمم مختلفة الأعراق والديانات ومتباعدة في التاريخ أو حتى في الجغرافيا، فإنه من باب أولى أن تتم تجارب من هذا القبيل بين أمم وشعوب تجمعها خصال مشتركة هي بالأساس تمثل المكونات المحددة واللازمة لتشكل الأمم.
هنا محاولة للتفريق أو لوضع النقاط على حروف لطالما اشتاقت إليها كلمات حبلى بتوق كامن لأن ترى النور في واقع الحياة والأمور، وصولا إلى طرح أسئلة محورية من نوع: لماذا القطرية أولا وأخيرا؟
القطرية أولا في إطار تكامل إقليمي، القطرية أولا والقومية العربية ثانيا، القطرية أولا والعالم الإسلامي ثانيا، القطرية أولا والعولمة ثانيا.
لكن من بمقدوره الإدعاء بأن شعار القطرية أولا يتعارض بأي حال من الأحوال مع بقية الشعارات المطروحة في هذا الميدان على غرار القومية أو العولمة، التي لا بد من وجودها في مشهد يكمل كل واحد منها الآخر معبرا عن ضرورات حتمية لا غنى عنها في مسيرة أي مجتمع على الإطلاق.
ومن السهولة بمكان ملاحظة تلك الضرورات التكاملية وما يتفتق عنها من نتائج إيجابية تتمتع بخيراتها الكثير من شعوب العالم في الوقت الحاضر وفي المقدمة منها شعوب أميركا اللاتينية، التي كانت تسمى أنظمتها حتى وقت قصير بجمهوريات الموز للدلالة على سيطرة الاحتكارات الأجنبية على مقدرات الناس. وتتركز تلك التجارب بالدرجة الأساسية على جوانب إستراتيجية من الحياة الاقتصادية والاجتماعية محددة وملموسة وبعيدة كل البعد عن التنظير والمقولات النظرية الصرفة مثل محاربة الأمية والفقر.
إلى ذلك، يمكن القول إن قوة البلدان على الصعيد القطري إنما تكمل وتتكامل مع مراكز القوى الأخرى على الصعيد الإقليمي أو القومي أو العالمي والعكس بالعكس.
لكن اللافت أن شعارات القطرية أولا تطرح بصورة متواترة في منطقتنا العربية على لسان العديد من قادة الدول العربية، رغم أن هؤلاء لا ينفكون عن الإعراب صباح مساء عن رغبتهم وتوقهم للتدخل في شؤون بلدان عربية أخرى الأمثلة لا تعد ولا تحصى بهذا الخصوص.
كما أن هناك مفارقة بارزة لا بد من تسجيلها في هذا المقام وهي أن السواد الأعظم من محاولات التدخل تلك إنما تنصب أولا وأخيرا في صالح تل أبيب وواشنطن،مما يعكس قفزة نوعية تنقل تلك الزعامات من دائرة الصمت حيال الجرائم التي ترتكبها الدولة العبرية في المنطقة إلى مواقع المشاركة والتواطؤ المباشرين في مخططات ذلك الكيان المارق..
ناهيك عن أن حالة الافتراق أو عدم التكامل بين البلدان العربية القطرية لا تنعكس البتة على صعيدين اثنين هما السياسة والأمن، فما أسهل رؤية وزراء الداخلية العرب مجتمعين بصورة دورية أو غير دورية، تعبيرا عن انضباط حديدي في ميدان لا يشكل سوى جانبا بسيطا من اهتمامات ومصالح الشارع العربي.