ليس مفاجئاً أن « تقوم الدنيا ولاتقعد» لدى البعض في المراكز الدولية المؤثرة في العالم من أجل فك أسر الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليت، ومن أجل اثنين من الأسرى بيد حزب الله. ومن غير المعقول أبداً أن تثور ثائرة بعض المراكز اياها، تحت عنوان التحرك من أجل حل مشكلة الأسرى الإسرائيليين الثلاثة.

ومن غير المنطقي أبداً أن نسمع بعض المراجع الدولية تتحدث عن مأساة عائلات الأسرى الاسرائيليين، في الوقت الذي لم تتوقف فيه ولو لفظياً عند مشكلة أكثر من (11) ألف معتقل وسجين فلسطيني تم اختطافهم على يد قوات الاحتلال، ومعهم بضع عشرات من الأسرى العرب.

فالأسرى الإسرائيليون الثلاثة وقعوا في عمليات عسكرية مباشرة، ولم يتم اختطافهم من داخل بيوتهم أو من أحضان عائلاتهم، خصوصاً جلعاد شاليت الذي وقع في الأسر عندما كان يطلق النيران من دبابة الميركافا على مخيم رفح الفلسطيني الواقع جنوب قطاع غزة.

ان الوجع الفلسطيني الذي تتعرض له الآلاف من العائلات الفلسطينية جراء احتجاز أبنائها ومعيليها على يد قوات الاحتلال، وزجهم في باستيلات النازية الصهيونية، وجع لاينسى، ولايمكن شفاؤه والتئامه دون تحرير الأسرى الفلسطينيين، وعودتهم إلى أبنائهم أحراراً على أرض وطنهم الفلسطيني دون قيد أوشرط.

فالاعتقالات الإسرائيلية تتم تحت عنوان «مكافحة الإرهاب الفلسطيني» على أساس الاحتجاز الإداري المفتوح، ووفق القوانين المتوارثة منذ أيام الانتداب البريطاني على فلسطين بين الحربين العالميتين الأولى والثانية. وعلى أساس هذه القوانين يعتقل ويرزح يومياً الآلاف المؤلفة من أبناء فلسطين في سجون عسقلان والمسكوبية ونفحة ومجدو وغيرها من معتقلات الاحتلال الإسرائيلي.

وعليه، فإن تحرير الأسرى مهمة وطنية بامتياز تقع مسؤوليتها على الجميع في الساحة الفلسطينية، وبالطرق الممكنة : السياسية الدبلوماسية، ومن خلال التدخل الدولي، ومن خلال عمليات التبادل التي جرت أكثر من مرة خلال العقود الثلاثة الماضية من عمر المقاومة الفلسطينية، ومن عمر المقاومة اللبنانية.

فالحل الممكن لمسألة الأسرى الثلاثة تقع عند حدود التبادل وفق معادلة «فك أسرى جنود الاحتلال مقابل تحرير المعتقلين العرب من لبنانيين وفلسطينيين وسوريين وغيره. ومن هذا المنطلق تتسارع الاتصالات لبلورة صفقة بشأن الأسير الاسرائيلي جلعاد شاليت، مقابل تحرير نحو (800) أسير ومعتقل فلسطيني، حسب خطة تقوم على ثلاث مراحل :

في المرحلة الأولى يحرر (300) أسير بالتوازي مع إطلاق جلعاد شاليت أو بعد بضعة أيام. في المرحلة الثانية والتي ستنفذ بعد بضعة أشهر يحرر (300) أسير آخر، وفي المرحلة الثالثة والتي ستتم قبل نهاية هذا العام فسيتم تحرير (200) أسير آخر. وعلم بأن مايعيق المفاوضات يتمثل فقط باختيار الأسماء الذين تصّر سلطات الاحتلال على عدم اطلاقهم مثل مروان البرغوثي أمين سر حركة فتح في الضفة الغربية.

كما في رفضها اطلاق أسرى ومعتقلين فلسطينيين قدامى، يقضون محكوميات من عشرين سنة فما فوق. كما علم بأن المفاوضات الجارية عبر كواليس الديبلوماسية السرية لتبادل الجندي جلعاد بمعتقلين فلسطينيين تتناول مواضيع أوسع، فالاسرائيليون يحاولون أيضاً تحقيق تفاهم على وقف نار صواريخ المقاومة الفلسطينية، خصوصاً كاتيوشا القسام من جانب الفلسطينيين، واعادة احياء ما يسمى بالهدنة.

أما ملف الأسرى الإسرائيليين لدى حزب الله، فإن أوراقه تدور حول مواضيع أوسع، منها ماله علاقة بالدبلوماسيين الإيرانيين المختطفين في لبنان عام 1982، مقابل الكشف عن مصير الملاح الإسرائيلي رون أراد، وربما المساعدة في الكشف عن أربعة مفقودين من طاقم دبابة اسرائيلية ( زخريا بوميل، يهودا كاتس، دوف كبلان ، ...) قتلوا في معركة السلطان يعقوب عام 1982، أي قبل تأسيس حزب الله ذاته.

وفي هذا السياق فإن تكتيك حزب الله التفاوضي يقوم على اعطاء الأجوبة، بما في ذلك امكانية اللقاء مع الأسيرين الاسرائيليين الأخيرين، على شكل «جرعات» بالمقدار الذي يتجاوب فيه الطرف الاسرائيلي مع المطالب التي يقدمها الحزب في اطار الصفقة الشاملة التي يسعى لها الحزب.

وبالطبع فان الأسير وعميد الأسرى اللبنانيين والعرب وعضو جبهة التحرير الفلسطينية سمير القنطار قائد عملية نهاريا التي وقعت شمال فلسطين عام 1979 سيكون في مقدمة من سيطلق سراحه، اضافة إلى كشف مصير الأسير اللبناني وعضو حركة فتح يحيى سكاف الذي تم أسره بعد عملية الشاطيء الفلسطيني عام 1978 التي قادتها الشهيدة دلال المغربي.

وأغلب الظن، أن ملف الملاح الإسرائيلي رون أراد سيبقى لغزاً دون حل، حيث فقدت أثاره منذ عقدين من الزمن، دون أية مؤشرات تشي بمصيره. وكانت طائرة ملاح الجو الإسرائيلي رون أراد قد أسقطت بنيران المقاومات الأرضية الفلسطينية عام 1986 فوق مخيم عين الحلوة إلى الجنوب من مدينة صيدا اللبنانية أثناء قيامها بقصف مواقع فلسطينية داخل المخيم.

وقتل جراء سقوط طائرة أراد الحربية الطيار المرافق لأراد حيث استطاعت مروحيات إسرائيلية التقاطه أثناء هبوطه بالمظلة ووفاته متأثراً بجروحه، بينما وقع أراد في قبضة مقاتلي حركة أمل حيث قذف الهواء مظلته باتجاه مواقع حركة أمل شمال شرق صيدا، وضاع اثره بعد خروج مجموعة من ضباط أمن حركة أمل وانضمامهم إلى حزب الله.

وبالتالي فإن الترجيح الإسرائيلي يشير إلى إمكانية انتقال الأسير أراد إلى يد حزب الله عبر المنشقين عن حركة أمل والذين التحقوا بحزب الله وأسسوا في حينها جناح «المقاومة المؤمنة» أو جناح «أمل المؤمنة».

في هذا السياق، فإن التكهنات تشير إلى القناة الوسيطة الألمانية، حيث أوفد رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت، عوفر ديكل سراً إلى العاصمة الألمانية برلين، والتقى هناك مع رئيس الأجهزة السرية آرنست اورلاو بشأن دور المانيا في الاتصالات بشأن الأسيرين الإسرائيليين لدى حزب الله، وهما : ايهود غولدفاسر والداد ريغف.

فالطرف الألماني «شبه الرسمي والوسيط » في رعاية العملية معني تماماً في انجاحها والوصول إلى اقرارها وتنفيذها، لما يشكله هذا الأمر من حضور سياسي لألمانيا في ساحة الشرق الأوسط في ظل الموقف الألماني المتحفظ نسبياً على السياسات الأميركية في الشرق الأوسط، وفي ظل المصداقية المنهارة للولايات المتحدة الأميركية مع اتساع نطاق العداء لها ولسياستها المنحازة.

وخلاصة القول، ان إطلاق الأسرى الفلسطينيين والعرب من سجون الاحتلال، أصبح الآن شرطاً أساسياً من شروط إعادة إحياء عملية التسوية المنهارة منذ سنوات. فبقاؤها دون حل لن يكون سوى أشبه بالفتيل الصاعق الذي سيدمر العملية التسووية وينسفها من أساسها، وسيدفع القوى الفلسطينية لاتباع المزيد من الوسائل الممكنة لتحرير الأسرى وعودتهم إلى أسرهم بكل كرامة وحرية.

كاتب فلسطيني ـ دمشق