انفض مؤتمر عدم الانحياز في هافانا، المدينة التي بإمكانها أن تتخلى عن كل شيء إلا الرقص والغناء. هكذا استقبلت كوبا وفود وأعضاء دول مؤتمر عدم الانحياز، بكرنفالية سياسية باتت تقليدية وروتينية، كما أن المؤتمر بحد ذاته بات باهتاً وقليل الأهمية والتأثير في المحافل الدولية. ولولا وجود الأمم المتحدة لصار مؤتمر عدم الانحياز ذكرى غنائية منسية لمرحلة الحرب الباردة.

ويحاول الحرس القديم في المنظمة خلق لوبيات وراء الكواليس، تستعين بها وتستنجد من خلالها لتحسين وضعها الدولي والإقليمي، خاصة وان هذا التكتل النامي يحتضن في صلبه دولا نفطية مهمة، سيفرز تحالفات ومحاور من نمط المحور الجديد - فنزويلا -إيران، واللتين يجمعهما هم وعدو مشترك واحد،هو الولايات المتحدة الأميركية، لهذا نجد التنسيق والتعاون الكبير بينهما مؤخرا في مجالات عدة. وتدافع الواحدة عن الأخرى بكل قوة، بهدف تغيير ميزان القوى في تركيبة الأمم المتحدة القادمة.

ولن نرى أي استغراب أن تساند فنزويلا إيران في ملفها النووي بقوة ودون تحفظ، بينما تسعى إيران تقوية موقع فنزويلا السياسي على حساب البرازيل من اجل حقها في الحصول على مقعد في مجلس الأمن.

لقد افقد بالنتيجة سقوط أحد أطراف القطبية الثنائية في لعبة الصراع بين الأمم البريق التاريخي لمؤتمر عدم الانحياز ودوره وتأثيره السياسي العالمي، فقد كان يهم الأطراف المتنازعة العظمى استقطاب واصطفاف كل المنظمات الإقليمية والقارية إلى جانبها من اجل تسوية قضايا عديدة في أجندة الصراع.

يومها كانت المنظمة مثل بقية المنظمات القارية والإقليمية تشعر بأهميتها وقيمتها في لعبة التوازن والتسويات والصفقات، وتدرك أنها كانت تشكل أحيانا قبة الميزان في تلك التجاذبات، غير أن ذلك كان مرهونا في السابق بمدى دعم الاتحاد السوفييتي لها مع سائر منظومته.

إن تراجع بريق المنظمة واقع طبيعي لمتغيرات المرحلة، ومتغيرات دور هذه المنظمة التي ينخر فيها التآكل ببطء، وعلى اقل تقدير يقلل من حجمها، بالرغم من أن أعضاءها يشكلون ما يقرب الثلثين من أعضاء الأمم المتحدة، مع العلم أنها عناصر اوركسترالية متنافرة، وقليلا ما نجحوا بعزف مقطوعة منسجمة.

أن خطاب التشدد القديم للمنظمة بات خطابا مهترئا، بسبب أن الإرث القديم/الجديد للخطاب المتشدد يسيطر على بعض تلك الأصوات، والتي لا تجد في موضوعها الجوهري إلا كيفية مناهضة، الإمبريالية الأميركية، دون شك هناك محاولة أميركية للاستحواذ على قرارات ومواقف دولية كثيرة، ولكن الآلية والمعالجة التي يتم فيها لا تزال جزءا من خطاب الماضي، والذي لا ينسجم مع متغيرات المرحلة.

وإذا ما كانت بعض الدول تراهن أنها لا تزال قادرة على تحريك هذه المنظمة كتكتل، ثالث ورابع، في غياب المعسكر القديم، فإنها تسقط بالضرورة في قراءة عمياء للواقع الجديد.

وقراءة بكماء لزمن العولمة، فمن قادوا المنظمة من الدول الكبار في بداية التأسيس كالهند ومصر ويوغسلافيا وإندونيسيا، ما عادوا مقتنعين بنفس الطروحات السياسية والاقتصادية، اذ تنحى الهند نحو التقارب مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بشكل متزايد، مثلما ما عادت مصر الحالية هي مصر الناصرية ولا إندونيسيا بلدا يديره سوكارنو، فهناك توجهات مختلفة للأنظمة مرهونة باتفاقيات التجارة العالمية.

ربما الجديد والمهم في هذه المنظمة رحيل الشاه صديق الغرب وبروز نظام إيراني جديد مشاكس داخل تلك المنظمة يذكرنا بحقبة الستينات والظاهرة، الثورية.

ويبقى لاعب مهم في هذه المنظمة هي جمهورية جنوب افريقيا، باعتبارها ثقلا سياسيا وقاريا واقتصاديا مهما في تركيبة هذه المنظمة، والتي نعت دورها الهام أمين عام الأمم المتحدة كوفي عنان كمنظمة للجنوب، غير أن جنوب افريقيا كالهند تعتبر من الأصوات المعتدلة إزاء الولايات المتحدة والعالم الغربي، مقارنة بتلك الأصوات الراديكالية، التي تبحث لها عن محاور وتكتلات تفضي في نهاية المطاف بناء علاقات ومصالح ثنائية هدفها الحفاظ على الذات.

وهي تنطلق من مقولات سياسية ضامرة، عدو عدوي صديقي، متناسية تلك الدول أن الأنظمة التي تقف على كثبان من الرمل عرضة للانهيار الكبير حتى وان مكثت طويلا، فما حدث للإمبراطورية السوفييتية، ينبغي وضعه للأذهان كدرس تاريخي، فالمعارك بين القوى والأنظمة ليست حروبا عسكرية قصيرة وحسب، بل وصراعات بأشكال متعددة، باتت الثورة المعلوماتية والقوة المالية الضاربة أحد مخالبها المميتة في عصرنا.

وهو ما ينبغي فهمه وأخذه بالاعتبار لدى دول مؤتمر عدم الانحياز المتشددة، فنادي الثمانية يمتلك من القوة ما يتيح له من النفوذ والتأثير بصياغة خارطة العالم دون ضجيج.

دون شك أن بعض دول مؤتمر عدم الانحياز، تضع العصا في المسننات الأميركية، تعرقل عليها خططها وسيناريوهاتها المستعجلة، ولكنها في نهاية المطاف لا تستطيع أن تحسم الصراع لصالحها، نتيجة الاختلاف الشاسع بين القوتين. ستواصل اجتماعاتها منظمة دول عدم الانحياز، فهذا يساعدها على البقاء والوجود في عملية الفرز العالمي بين عالم الشمال والجنوب.

ويجعلها أصواتا ذات قيمة متنافرة في داخل أروقة الأمم المتحدة، فما يجمعها اليوم من مصالح كحد ادنى قد تختلف معها في المستقبل القريب أو البعيد. إن الموزاييك السياسي لهذا الكرنفال الدولي سيبقى محطة سنوية يفرز فيها الحاضرون ما ينبغي مناقشته ومعالجته من هموم وتحديات دولية، يرى فيها كل طرف المسافة بمجهر مختلف.

ان شيخوخة المنظمة وتقلصها، ومحاولة ضخم الدم فيها بتجديد حيويتها بحقن الإنعاش المتواصلة في المنظمة المريضة تشبه حقن الرئيس كاسترو المريض، الذي كان يراقب المؤتمر ويستقبل الضيوف بوجهه الشاحب ومعنوياته المفتعلة، محتفظا بنوستولجيا الثوري الذي استرجع ماضي المنظمة وعلاقتها ببلاده.

انفض المؤتمر ككرنفال سياسي، للمتشددين الجدد، وإذا ما تغيب كاسترو المريض عن مؤتمر هافانا القريب من سكنه، فهل سيكون كاسترو على قيد الحياة في الاجتماع القادم؟ فبموت كاسترو يختفي آخر زعيم من قادة مؤتمر منظمة عدم الانحياز.

كاتب بحريني