هناك حالة إجماع شعبي فلسطيني اليوم اكثر من أي وقت مضى على ضرورة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية كمخرج لحالة الشلل التي أصابت الحياة الفلسطينية بعد فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية مطلع هذا العام وتشكيلها الحكومة برئاسة إسماعيل هنية، مع ان الحصار الذي تعرضت له حكومة حماس كان ظالما واعتبر عقابا للشعب الفلسطيني على ممارسة خياره الديمقراطي الذي لم يطابق الهوى الإسرائيلي والأميركي في المقام الأول.

وقد قطعت المفاوضات بين حركتي فتح وحماس - الفصيلين الكبيرين والخصمين- شوطا كبيرا وتم وضع الخطوط العريضة لحكومة الوحدة الوطنية والتي رشح لها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس رئيس الوزراء الحالي إسماعيل هنية.

لكن لم تر هذه الحكومة النور حتى الآن وعادت واصطدمت بعراقيل واتهامات متبادلة من الطرفين يحمل كل الآخر مسؤولية الجمود وعدم تشكيل الحكومة وسارع تيار المنتفعين في حركة فتح إلى القول بان أبو مازن جمد حاليا المسألة في حين لم يصدر عن الأخير أي تصريح بهذا الخصوص بينما نفى إسماعيل هنية تجميد المشروع.

لقد شكلت وثيقة الأسرى رافعة لوقف الخلافات الفلسطينية الداخلية وحالة الصراع على السلطة ومثلت اتفاقا على العديد من الأمور وتأكيدا على الوحدة الوطنية والالتزام بالحد الأدنى من الثوابت ولم تشترط الوثيقة الاعتراف بإسرائيل وشددت على شرعية المقاومة الفلسطينية داخل الأراضي المحتلة عام 1967.

وينتظر بعد عودة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس من نيويورك ان يتم استئناف مفاوضات تشكيل حكومة الوحدة الوطنية وان تذلل الصعاب التي تقف في طريقها وان تنحى الصراعات الفئوية الضيقة جانبا ويتم الالتفات إلى مصالح الشعب الفلسطيني عامة حيث يعيش في ظروف سيئة لم يسبق وان مر بمثلها.

لقد فرحنا كثيرا للانسحاب الإسرائيلي قبل عام من قطاع غزة باعتباره انجازا وطنيا ما كان ليتم لولا التضحيات الكبيرة والصمود الذي أبداه الشعب الفلسطيني في وجه الاحتلال العنصري الإسرائيلي.

ولكن ما الذي تحقق بعد عام ؟ لقد تحول قطاع غزة إلى كانتون او معزل كبير وفرضت عليه قوات الاحتلال الصهيوني حصارها المشدد وتحكمت في حركة العبور والخروج من والى القطاع وتعدى الأمر إلى تنفيذ اعتداءات وحشية واغتيالات وتدمير لمئات المنازل خاصة بعد اسر الجندي جلعاد شاليت في عملية الوهم المتبدد في يونيو الماضي حيث سقط اكثر من مئتي شهيد ومئات الجرحى.

ولا يختلف الوضع في الضفة الغربية عنه في قطاع غزة حيث تحولت أراضيها هي الأخرى إلى كانتونات صغيرة وأقيمت عشرات المعابر ونقاط التفتيش العسكرية الإسرائيلية والتي لا تفصل فقط المدن الفلسطينية عن بعضها بعضا بل تقطع أوصال حتى القرى والبلدات، فيما تستمر عملية الاستيطان لتهويد ما تبقى من الأراضي العربية .

والتي ابتلع قسما كبيرا منها جدار الفصل العنصري والذي شارف على نهايته. هذا في الوقت الذي ما زال يقبع فيه أكثر من عشرة آلاف معتقل فلسطيني داخل السجون الإسرائيلية ولا يحرك احد ساكنا لإطلاق سراحهم فيما تقوم الدنيا ولا تقعد لإطلاق سراح ثلاثة جنود إسرائيليين وقعوا أسرى في عمليات عسكرية للمقاومة الفلسطينية واللبنانية.

نعلم جيدا ان حكومة الوحدة الوطنية لا تملك عصا سحرية لحل مشكلات الشعب الفلسطيني وإعادة حقوقه المستلبة ولكنها بداية الطريق للخروج من النفق المظلم الذي يمر به الشعب الفلسطيني وحجر يرمى في بركة التسوية المتجمدة وقد تشكل خطوة لكسر طوق العزلة والحصار المفروض على الشعب الفلسطيني قاطبة وليس فقط على حكومة حماس خصوصا .

وان بادرة امل بدأت تلوح في الأفق بترحيب الاتحاد الأوروبي بتشكيل هذه الحكومة والاستمرار في تقديم المساعدات المالية للشعب الفلسطيني وقد تبادر دول عربية لمد الشعب الفلسطيني بمساعداتها المالية والعينية للخروج من هذه الضائقة.

ليس أفضل من هذا الوقت الذي تعقد فيه الجمعية العمومية للأمم المتحدة اجتماعها السنوي ليقدم الفلسطينيون مشروعهم الموحد للتسوية على أرضية الوحدة الوطنية خصوصا بعد ان نعى أمين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى مشروع التسوية الأميركية وشدد على ضرورة إعادة ملف التسوية إلى الأمم المتحدة.

وهذا ما سعى إليه وزير الخارجية البحريني الشيخ خالد بن حمد الخليفة والذي تقدم باسم المجموعة العربية باقتراح في مجلس الأمن من ثلاث نقاط لبدء المفاوضات بين الأطراف بإشراف مجلس الأمن الدولي.

لهذا فان إعادة ترتيب البيت الفلسطيني يجب ان تكون الخطوة العملية التي تدفع إلى تضافر الجهود العربية وجهود الدول الصديقة لتحقيق تسوية عادلة تعيد للشعب الفلسطيني حقوقه في أرضه وسيادته وحقه في العيش في دولة آمنة ومستقلة دون التفريط بحقوق اللاجئين في العودة إلى ديارهم التي طردوا منها قسرا.

musaabueid@hotmail.com