مرت 5 سنوات على هجمات الحادي عشر من سبتمبر وتكشفت حقائق كثيرة عنها من أبرزها اعتراف خالد شيخ محمد الذي قرر أن فكرة ضرب مركز التجارة العالمية بطائرات مدنية، فكرته هو شخصياً، منذ عام 1995 وقد ناقشها مع ابن أخته رمزي يوسف مهندس عملية التفجير الأولى التي استهدفت مركز التجارة عام 1993 وكانت الفكرة أساساً تقوم على خطف 10 طائرات دفعة واحدة وتفجيرها في 10 أهداف أميركية.
وقد عرض خالد شيخ محمد الفكرة على أسامة بن لادن فلم يتحمس لها في البداية بسبب تعقيداتها وضخامتها ولكنه اقتنع بها في النهاية في ابريل 1999 واستدعاه إلى قندهار وقال له: إن القاعدة ستساند فكرته ثم اختار بن لادن الانتحاريين الأربعة الأوائل وذلك بعد تغيير الخطة الأصلية.
ولكن ـ لا مرور السنوات الخمس ولا تكشف الحقائق ولا كثرة الاعترافات من قبل قادة القاعدة وزعيمها والتي وصلت إلى درجة التباهي ولا الاحتفالات السنوية التي كان يقيمها أصوليو لندن بتلك المناسبة تحت عنوان «العظماء التسعة عشر» ـ كل ذلك غير قادر على زحزحة قناعات سائدة في الساحة العربية والإسلامية من أن هجمات سبتمبر (مؤامرة) يقف وراءها إما المخابرات الأميركية أو اليمين الأميركي أو «الموساد» بهدف ضرب أفغانستان وبسط الهيمنة الأميركية في آسيا الوسطى.
وقد أكد أحد الرموز الدينية في خطبة جامعة منذ سنوات براءة بن لادن لأنه لا يملك القدرة على تدبير عمليات بهذا المستوى من الإحكام. ولأنه بايع أمير المؤمنين على السمع والطاعة وعدم الإساءة إلى الدول الأخرى، بل أكد هذا الرمز الديني الكبير، أن ذلك من تدبير (الأميركان) أنفسهم لضرب الإسلام والمسلمين وقال: إن أميركا تعلم ذلك (علم اليقين)!! لكنها الصليبية الحاقدة على الإسلام والمسلمين!
ومثل هذه القناعة الراسخة بنظرية المؤامرة لا تقتصر على الرموز الدينية السنية بل أيضاً تشمل الرموز الدينية عند الشيعة فقد أكد ـ منذ سنوات ـ أحد مراجع الشيعة الكبار في مقالة نشرت في الشرق الأوسط 11/9/2004 أن ذلك من فعل «الموساد».
وقد بلغ رسوخ هذا الاعتقاد بالمؤامرة في الساحة العربية والإسلامية أنك لو أجريت استفتاء عاماً لأجابك 60% من الجماهير بأن أسامة بن لادن بريء من 11/9 وأن ذلك مؤامرة أميركية أو إسرائيلية لضرب المسلمين. أما 30% من الجماهير وان صدقوا (بن لادن) بأنه وراء العملية إلا أنهم يبررونها بكونها(جزاء) .
وفاقا لمظالم أميركا للمسلمين و(ثأرا) لهم ضدها ولا عجب أن تكون هذه القناعات والتبريرات سائدة في الأوساط الجماهيرية وعند طائفة من الرموز الدينية والفكرية والسياسية لأسباب كثيرة ولكن العجب ان عقلانياً فكرياً كبيراً يكتب ـ مؤخراً ـ مقالاً في صحيفة (المصري اليوم) 10/9/2006 ـ يبدي إعجابه بهؤلاء الشباب الذين لقنوا أميركا درساً لم يكن يخطر ببالها.
فيقول ان الذين ارتكبوا كارثة 11/9 هم من (أشجع الشجعان) وان هجومهم الانتحاري كان (أداء رائعا) معللاً ذلك بان تلك المجموعة من شباب الخليج ومصر الذين نفذوا العملية، كانت ترى بأم عينها الدول العربية تتساقط وتستسلم لأميركا وتشهد الأوغاد (الأميركان) يمرحون ويبرطعون في الأرض المقدسة، ففكر هؤلاء الشباب في طريقة لإعطاء أميركا درساً بطريقة فريدة لم تسبق، وهداهم التفكير إلى خطة ما كان.
يحلم بها أكثر المخرجين السينمائيين الأميركيين، وأن يدمروا رمز الازدهار والخيلاء الأميركية ـ هذا ما نقله د. شاكر النابلسي عن الصحيفة المصرية ونشره في السياسة الكويتية 16/9.
أتمنى ألا يكون النقل صحيحاً لأنه لا يتصور من عقلية فكرية مستنيرة كبيرة ومبدعة، ان تعجب أو تمتدح عملاً شيطانياً راح ضحيته (3000) برئ من كل لون ودين وجنس، لا علاقة لهم بما تفعله (الإدارة الأميركية) من مظالم.
ان العمل الشيطاني مهما بلغت براعته لا يكون محلاً للإعجاب أو المباركة وإلا ترسخت (القدوة السيئة) في نفوس أجيالنا، وكنا نحن أول ضحاياها، ولا أدل من شواهد العمل الإرهابي الذي يضرب المنطقة فأكثر ضحاياه هم مسلمون وعرب وما ذلك إلا بسبب مناهجنا الأحادية التلقينية التعصبية وخطابنا المحرّض.
حرضنا شبابنا منذ نعومة أظفارهم على كراهية الآخر وصوّرنا لهم الغرب عدواً متربصاً بنا ـ دائماً ـ لا يريد لنا الخير ولقناهم عبر مناهجنا وخطبنا الدينية والكتب والأشرطة الموجهة عداوة وصليبية الآخر ضدنا ثم بررنا سوءات وسيئات شبابنا ضد الآخرين بل ومجدناها وباركناها إعجاباً وتقديراً وكانت العاقبة أن انقلبوا علينا وابتليت مجتمعاتنا بأعمالهم الشيطانية. مصداقاً لقوله تعالى (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله).
وعندما يعجب مفكر إسلامي كبير بكارثة 11/9 ويمتدح براعة منفذيها فهذا مؤشر يؤكد رسوخ سيطرة نظرية المؤامرة على نفوسنا جميعاً حتى الصفوة الفكرية والدينية فينا. وما كارثة سبتمبر إلا إحدى تجليات أو إفرازات تلك النظرية وشاهدة على قوة رسوخها وتملكها للنفسية والعقلية العربية.
كاتب قطري
