دونما استفادة من دروس الماضي ومآسي الحاضر، وكأنما العالم في واد والإدارة الأميركية في واد، جاء خطاب الرئيس الأميركي جورج بوش أمام الدورة الحادية والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة بعيدا عن الواقع قريبا من الوهم الذي تعيشه هذه الإدارة متجاهلة كل ما لا يتفق مع طموحاتها وتصوراتها وأهدافها.
وإذا كان هذا حقا يراه البعض مشروعا لدولة تعيش حلم الإمبراطورية والسيطرة على العالم دون منافس بعد انتهاء الحرب الباردة وغروب شمس المعسكر الاشتراكي، فإنه من حق الطرف الآخر المتمثل في شعوب العالم أن يفند هذه الأفكار أو الأحلام التي تفترض سيدة العالم أن على الجميع أن يتعايش معها إذا لم يستطع أن يعيشها بالطريقة نفسها التي تراها الإدارة الأميركية.
ولعل اللافت في خطاب الرئيس الأميركي هو توجهه لمخاطبة الشعوب مباشرة دون الالتفات إلى قياداتها، مفترضا أن الشعوب يمكن أن تتلقى منه بغض النظر عن مدى اقترابها من هذه القيادات أو ابتعادها عنها. ولذلك فهو عندما تناول الشأن الإيراني وجه خطابه للشعب الإيراني قائلا: إنك تستحق الفرصة لتقرير مستقبلك، وإن العقبة الكبرى أمام هذا المستقبل أن حكامك قد اختاروا حرمانك من الحرية. وقد فعل الشيء نفسه عندما خاطب الشعب السوري قائلا:
«إن حكامكم قد سمحوا لبلدكم أن يصبح مفترق طريق للإرهاب، وفي وسطكم حماس وحزب الله اللذان يعملان على زعزعة استقرار المنطقة. إن حكومتكم قد حولت بلدكم إلى أداة بيد إيران، وهذا يزيد عزلة بلدكم عن العالم». كما خاطب سكان دارفور قائلا: إن حياتكم ومصداقية الأمم المتحدة في خطر. وكانت رسالته للشعب العراقي متسقة مع هذا الخطاب حين قال: «لن نتخلى عنكم في نضالكم لبناء بلد حر».
دعونا نسلم جدلا بأن الفجوة التي افترضها الرئيس الأميركي بين هذه الشعوب وحكامها حقيقية وقائمة، حتى لو كان هذا مجرد افتراض لا يكرس حقيقة على الأرض، فإذا افترضنا أن الصورة التي يقدمها لنا الرئيس الأميركي صورة واقعية لا جدال فيها كما كانت تقدم لنا من قبل الإدارة الأميركية وحلفائها قبل احتلال العراق.
وإذا كانت هذه الإدارة تقدم لنا العراق نموذجا لما يمكن أن يفعله التدخل الأميركي في شؤون الشعوب لإزالة «العقبات الكبرى» من أمام مستقبل بعضها، ولفك (عزلة) بعضها الآخر، ولإزاحة «الخطر» الذي يتهدد حياة سكان بعض المناطق، فإن هذا النموذج هو الأسوأ من بين كل النماذج التي يمكن أن تكون برهانا على صدق ومنطقية وواقعية خطاب الرئيس الأميركي، لأن العراق بعد ثلاث سنوات من الاحتلال.
وإتاحة أميركا «الفرصة لشعبه كي يقرر مستقبله» يكاد يتحول إلى خرائب ومقابر بعد أن ارتفعت وتيرة العنف فيه وعمّت الفوضى أرجاءه وأصبح القتل فيه حدثا يوميا لا يحرك مشاعر أحد ولا يثير استغرابه، فأي حرية هذه التي لم تأت إلا بالقتل والدمار وإشعال فتيل حرب طائفية تتضح معالمها يوما بعد يوم؟! ثم من قال إن الشعوب تنجذب لمثل هذا النوع من الخطاب؟
إن تجارب التاريخ تقول إن الشعوب تزداد اقترابا من قياداتها - حتى لو كانت هذه القيادات ظالمة - كلما استفزها غريب من الخارج واستعداها عليها، ولكن من يقرأ التاريخ ومن يتعظ؟
أما «مصداقية الأمم المتحدة» التي يخشى الرئيس الأميركي عليها من التعرض للخطر مطالبا المنظمة الدولية بالتصرف إذا واصلت الحكومة السودانية رفضها نشر قوات دولية في إقليم دارفور فإن هذه «المصداقية» قد أُهدرت منذ أمد بعيد وأشبعتها «الفيتوهات» التي استخدمتها الحكومات الأميركية واحدة بعد الأخرى كلما اقتربت المنظمة الدولية من الدولة الوديعة المعتدى عليها «إسرائيل» حليفة أميركا الكبرى وطفلتها المدللة لإدانتها على تصرف من تصرفاتها، أو طالبتها بتطبيق المواثيق الدولية.
وفي حرب لبنان الأخيرة خير دليل وشاهد على موت هذه المنظمة واستخدام الولايات المتحدة وحلفائها لها أداةً لتمرير ما يريدون من خلالها دون الالتفات لحقوق الشعوب ومصالحها وحرمة أراضيها وحماية المقيمين عليها من نساء وأطفال وشيوخ.
كأولئك الذين حصدتهم طائرات إسرائيل والقنابل الذكية «أميركية الصنع» دون أن تستطيع الأمم المتحدة حتى توجيه اللوم إليها بفضل «الفيتو» الأميركي والمظلة التي توفرها لها الولايات المتحدة لتحقيق كل ما تريده في منطقة الشرق الأوسط التي وصف الرئيس الأميركي التغيرات الحاصلة فيها بالدرامية، دون أن يحدد لنا ما إذا كانت هذه الدراما مأساة أم ملهاة أم أنها من نوع التراجيديا السوداء.
أما القضية الأكثر جدلا في خطاب الرئيس الأميركي فهي قوله: إن بلادي تريد السلام، وإن المتطرفين في وسطكم ينشرون دعاية تدعي أن الغرب يخوض حربا ضد الإسلام .إن هذه الدعاية مزيفة، هدفها التشويش عليكم لتبرير أعمال الإرهاب.
سوف نتفق مع الرئيس الأميركي على أنه لا شيء يمكن أن يبرر أعمال الإرهاب، ليس مجاملة ولكن لأن الإسلام دين سلام لا يقرُّ أخذ البريء بجريرة المذنب، ولا يجيز قتل المدنيين الآمنين ولا النساء والشيوخ والأطفال تحت أي مبرر.
ولكننا سوف نختلف معه حول تعريفهم للإرهاب الذي يخلط بين العنف والتطرف والمقاومة، فمتى كان دفاع الشعوب عن نفسها وأرضها وحقوقها الشرعية إرهابا إلا في العرف الأميركي الذي لا يرى حقا سوى حق إسرائيل في العيش والبقاء والأمن، حتى لو كان هذا على حساب شعب لا يرون في نضاله إلا إرهابا وعنفا وتطرفا؟
إن رؤية جانب واحد من الصورة لا يلغي الجوانب الأخرى منها لأن الصورة لا تكتمل إلا بأجزائها مجتمعة. هذا عندما يكون الناظر إلى الصورة شخصا عاديا، ولكن عندما يكون هذا الذي لا يرى سوى جانب واحد من الصورة هو رئيس أقوى دولة في العالم فإن المسألة تأخذ أبعادا أخرى.
حيث لا تعود مسألة نظرة لا تقدم ولا تؤخر، لأنها تتحول أحيانا إلى قرارات تكتسب شرعيتها من المنظمات الدولية التي يخشى الرئيس الأميركي على مصداقيتها ويبدي قلقه من «الخطر» الذي يحيق بها، وتتحول أحيانا أخرى إلى حاملات طائرات وبوارج وجيوش تحتل بلدا هنا وتهدد بلدا هناك لتخوض حروبا يزل لسان الرئيس فيصفها بـ «الصليبية» ويبرر شنها بنشر الديمقراطية بين الشعوب التي اختار حكامها حرمانها من الحرية أو حولوها إلى مفترق طرق للإرهاب.
ووسط هذا كله نقف نحن المعنيين بالأمر حيارى بين من يحدثنا عن أنفسنا وكأنه أدرى بها منا، ومن يحدثنا عن نفسه ونحن أدرى بها منه، فهل ثمة من يفك لنا إشكال هذه المسألة ويحل لنا ألغازها؟
كاتب إماراتي
aliobaid2000@hotmail.com