إنه الخطاب العربي الأوحد الذي تصدقه الجماهير العربية ويحترمه الإسرائيليون.ذلك هو خطاب «حزب الله» اللبناني الذي ينطلق على لسان زعيمه حسن نصر الله.

هناك أكثر من تشابه لفظي بين عبد «الناصر» و«نصر» الله من حيث الرمزية النضالية الفذة على المستوى القومي العربي.

وكأن التاريخ القريب يعيد نفسه. فصورة الجموع الجماهيرية التي كانت تحتشد في «ميدان عابدين» خلال عقدي الخمسينات والستينات للاستماع إلى عبدالناصر هي الصورة الحديثة للحشد الجماهيري التي تتكرر اليوم في الضاحية الجنوبية في بيروت للاستماع إلى نصر الله.

وعلى المستوى العربي العريض تظهر الصورة بحجمها الأعظم فمن المحيط إلى الخليج في الأمس كما في اليوم ترهف الملايين آذانها.

والأمر لا ينطوي على سحر. ذلك أن زعيم حزب الله في الحاضر كما عبدالناصر في الماضي يقول ما يفعل ويفعل ما يقول في زمن سقوط خطاب النظام الرسمي العربي كناية عن خروج هذا النظام من المجرى الرئيسي للتاريخ.

كعبدالناصر يخاطب نصر الله العرب ـ حكاماً وشعوباً ـ بالمنطق البسيط الذي لا يرد.

في خطابه إلى الأنظمة العربية يتساءل زعيم حزب الله عن الدعوة العربية الرسمية إلى تسوية سلمية مع إسرائيل فيقول: كيف تحصلون على تسوية وأنتم تعلنون على العالم وإسرائيل بأنكم لن تقاتلوا.. لا من أجل لبنان ولا من أجل غزة ولا حتى من أجل القدس؟

ويقول إن الإسرائيليين ينظرون إلى المقاومة في لبنان وإلى شعب المقاومة باحترام وتقدير كبيرين. أما هؤلاء ـ أي الأنظمة ـ فلا يساوون شيئاً في نظر إسرائيل.

أجل «الإسرائيليون لا يحترمون سوى المقاومين. هذه حقيقة مرئية وليست تنظيراً فارغاً، فزعيم حزب الله يشير هنا إلى «تمكن بضعة آلاف من المقاومين اللبنانيين من التصدي لأقوى سلاح جو.. وأقوى جيش وأقوى دبابة في المنطقة وسط تخاذل عربي وانقسام سياسي داخلي».

لهذا يحترم الإسرائيليون المقاومة اللبنانية. ولهذا أيضاً تدفع إسرائيل بمناصريها من القوى الغربية وحلفائهم من العرب إلى السعي الحثيث الدؤوب لتجريد حزب الله من السلاح.

وبالمنطق البسيط أيضاً يتساءل نصر الله: كيف يستقيم أن يعالجوا «النتائج» مع تجاهل «الأسباب»؟

المقاومة هي النتيجة. والاحتلال الأجنبي هو السبب. عالجوا السبب أولاً بإنهاء الاحتلال لينتفي بذلك مبرر وجود المقاومة.

حتى الآن لم تجرؤ القوى الغربية ومعها الجماعات اللبنانية التابعة على محاولة لنزع سلاح المقاومة اللبنانية.

لكن كأن نصر الله فطن إلى احتمال أنهم ربما يكلفون «القوات الدولية» بالمهمة في مرحلة ما. ومن هنا كان تحوطه بإبلاغ رسالة تحذير إلى من يقفون وراء هذه القوات الغربية قبل أن يقدموا على حماقة محتملة قد تؤدي إلى تورطهم في مستنقع لا يعرفون كيف يخرجون منه.

عليهم أن يدركوا انه لن يصدر عن قيادة المقاومة اللبنانية قول أجوف. وليسألوا الإسرائيليين.