في تعليقه على الأوضاع الفلسطينية الداخلية، قال الرئيس الفلسطيني، بعد عودته من الأمم المتحدة، بأن الأمور بين السلطة والحكومة، أي بين «فتح» و«حماس» قد عادت إلى نقطة الصفر. لكن ما جاء في بيانات الفصيلين، يجعل مما قاله الرئيس محمود عباس، كلاماً مطمئناً، على الأقل هو أوحى بأن العلاقات رجعت إلى نقطة البداية.
اما ما حوته المنشورات الموزعة من الفريقين اللدودين توحي بأن التدهور بينهما هبط إلى ما دون الصفر. يعني إلى حدود الاتهامات القاسية والتهديدات، بل الى التلويح بالاحتكام للسلاح.
بيان من الفريق الأول جاء فيه «من يقتل فتحاويا سيقتل ولو بعد حين». آخر من حماس جاء فيه: «لن نصمت على المتآمرين الذين ينوون الانقلاب على الحكومة»! رافق هذه الموجة من التأزيم حديث عن تصفيات واغتيالات.
كما واكبه انطلاق مظاهرات مسلحة لعلع فيها رصاص التحدي في الهواء، وتصريحات قياديين تغمز من قناة من سمتهم بـ «دعاة الحرب الأهلية». وكأن غزة قد تحولت بلمح البصر إلى بؤرة جاهزة للانفجار! فماذا عدا مما بدا؟ ولماذا انقلب المشهد بهذه السرعة؟
الاعتقاد الذي ساد قبل أقل من ثلاثة أسابيع، أن الوضع الفلسطيني في طريقه إلى العبور من مناخ التأزيم إلى مناخ الانفراج. من حالة التشرذم إلى اطار الوحدة الوطنية الجامعة. وقد أعلن عن توافق حول وثائق، كما حول تشكيل حكومة ائتلافية، تضم مختلف ألوان الطيف السياسي الفلسطيني. وراج الحديث حول بلوغ الاتفاق الكامل، قريباً، حول البرنامج الحكومي. وان التشكيلة الوزارية الجديدة قد تبصر النور في غضون أسبوعين إلى ثلاثة.
فجأة بدأت الغيوم تتلبد في سماء العلاقات بينهما، ثم انفجرت رعود التراشق المتبادل، بخصوص قضايا أساسية، يبدو ان الفجوة بشأنها لا تزال واسعة. أو ربما لأنه لم يحصل وضع صريح للنقاط على الحروف بشأنها. أو قد يكون حصل مراجعات في الحسابات أو تراجعات، لكن كل ذلك كان من الممكن تطويقه واستدراكه.
اما ان تتدهور الأمور بهذه السرعة والحدة ويبدأ التهديد بالسلاح وعلى المكشوف، فإن ذلك يعني ان درجة الارتياب والشكوك المتبادلة، لا تزال عالية، كما ان الفجوة المطلوب ردمها بينهما لا تزال واسعة، وان الاحتقان قد بلغ مستوى يهدد بعواقب وخيمة، سيما وان هذا التوتر الجديد يأتي على خلفية أشهر ساخنة من التأزيم والاحتكاكات واحياناً الصدامات والتصفيات بين تنظيم «فتح» وتنظيم «حماس».
الايجابي وسط هذا الغليان المفاجئ ان الرئيس عباس أعلن عن عزمه على تجديد البحث مع «حماس»، عن حلول للازمة. وكذلك الأمر من جانب «حماس»، التي كشف أحد مسؤوليها بأن رئيس الحكومة إسماعيل هنية يبحث هو الآخر «عن صيغ لاتفاق يصلح برنامجاً لحكومة الوحدة».
واذا كان ذلك ينطق بأي شيء فهو ان الطرفين يدركان ان لا خيار آخر امامهما، فحكومة الوحدة الوطنية هي مطلب فلسطيني مستعجل، مطلوب ترجمته بأقرب فرصة ممكنة، لأنه قد حصل تأخير كبير في تحقيقه، كما لأنه حاجة إلزامية تفرضها مستلزمات المرحلة الراهنة بقدر ما تتطلبها مصلحة الشعب الفلسطيني الذي لن يغفر لأي احتكام للسلاح بين أهل المصير الواحد.