لم يحمل أول ايام الشهر الفضيل الى عاصمة الرشيد وبلاد الرافدين بوجه عام بشائر جديدة بوقف النزيف المستمر في دماء الأبرياء العراقيين الذين يتساقطون بالجملة في دوامة من الفوضى الأمنية، والاخفاقات السياسية والفتن الطائفية هي كل ما حققته المغامرة الاميركية التي تعتبرها ادارة بوش «فتحا ديمقراطيا وانتصارا للحرية» في شرق أوسط تعددت تسمياته وخططه النظرية وبرامجه الدعائية.

ولم تجلب نماذجه التطبيقية إلا الدمار والخراب، ونفور الشعوب العربية والاسلامية وهو ما انعكس بشكل علني في حركات التمرد المتزايدة التي تعيشها المؤسسة العسكرية في «العراق الجديد» والتي تمثل أحدث مظاهرها في رفض الجنود العراقيين الخدمة في بغداد باعتراف رسمي من كبار القادة العسكريين الاميركيين.

حل شهر الرحمة الذي ينتظره المسلمون في مشارق الارض ومغاربها، عاما بعد عام، باعتباره فرصة للتراحم والتوادد والألفة والتقرب الى الله بأصناف الطاعات، لكن العراقيين استقبلوا يومه الأول بمجزرة جديدة راح ضحيتها عشرات من القتلى والجرحى، ومهد لها العسكريون الأميركيون بتصريحات مثيرة للشكوك توقعت «تصاعدا في وتيرة العنف الطائفي خلال رمضان كما حدث في اعوام سابقة».

في ظل هذه الصورة المأساوية، وما يثيره تمرد القوات العراقية من احتمال اتساع الفراغ الامني في بغداد وتزايد العمليات التفجيرية، تبرز تساؤلات مشروعة عن السبب الحقيقي وراء عجز الحكومة العراقية ومن ورائها واشنطن عن تهيئة اجواء المصالحة وازالة اسباب العنف ونزع سلاح المليشيات ومساواة العراقيين في الحقوق والواجبات والكف عن التلويح بتقسيم بلادهم واهدار مواردهم.

كما تبرز تساؤلات اكثر الحاحا عن دور العلماء والمرجعيات الدينية العراقية في أخذ زمام المبادرة والتحرك بجدية واخلاص لاحتواء التوترات وإخماد نار الفتنة.

لقد آن الاوان لحكماء العراق من السياسيين والعلماء وقادة الرأي ان يحترموا قدسية الشهر الفضيل وينتهزوا فرصته السانحة لإنهاء فصول المأساة التي يعيشها بلدهم ويتساقطون فيها بالعشرات كل يوم، عبر ابداء مزيد من التآلف والتراحم وتجاوز الحساسيات والحسابات الضيقة واتخاذ مواقف مسؤولة تقدم فيها المصالح العليا على المصالح الفردية والطائفية.

كما آن الأوان لكي تكف واشنطن عن «توقعاتها التحريضية» بتصاعد العنف الطائفي واندلاع الحرب الاهلية، وتتجه بدلا من ذلك الى ازالة الاسباب الحقيقة التي فتحت ابواب الجحيم على العراق وسلبته آمنه واستقراره ولحمته الاجتماعية والدينية التي عاشها على مدى قرون من الزمن.