الخطاب الواضح والصريح والجاد الذي ألقاه الرئيس محمود عباس فجر أمس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، مطالباً المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته والتحرك من أجل ارساء حل عادل للقضية الفلسطينية على أساس الشرعية الدولية وعلى أساس الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني نقل الكرة ليس فقط الى ملعب اسرائيل التي يجب ان تنهي احتلالها غير المشروع، بل أساساً الى المجتمع الدولي ممثلاً بالأمم المتحدة وبمجلس الأمن ليمارس واجبه ومسؤولياته ازاء صراع امتد لأكثر من نصف قرن، والى ساحتنا الفلسطينية، خاصة لأولئك الذين يعتقدون ان القضية الفلسطينية يمكن ان نجد حلاً عادلاً لها بعيداً عن الشرعية الدولية وبعيداً عن المفاوضات أو الاتفاقات الموقعة.
ومثلما رسم الخطاب صورة المعاناة الفلسطينية كما هي وعكس توق الشعب الفلسطيني باطفاله ونسائه ورجاله للعيش بحرية وكرامة مثل أي شعب آخر، ومثلما أوضح الحقائق العارية للاحتلال وممارساته من الاستيطان الى الجدار العازل الى الحصار والقتل والدمار، ومثلما أوضح حقيقة الجرح النازف للشعب الفلسطيني جراء هذا الاحتلال الذي يشكل جذر الصراع فقد كان واضحاً وصريحاً وشجاعاً في مطالبة المجتمع الدولي بالتحرك لتحقيق السلام ليوجه بذلك ضربة قوية لكل الادعاءات القائلة بعدم وجود شريك فلسطيني لصنع السلام.
ولم يكتف الرئيس بايضاح المأساة الفلسطينية الناجمة عن الاحتلال ولا الانعكاسات والآثار المترتبة على استمرار تجاهل حل القضية بل اثبت للمجتمع الدولي حرص القيادة الفلسطينية ومختلف القوى السياسية على تشكيل حكومة وحدة وطنية تؤمن بالشرعية الدولية وتحترم الاتفاقيات الدولية الموقعة وتؤمن بالسلام وبذلك يعكس الوجه الحضاري للشعب الفلسطيني الذي يصر على احترام ديمقراطيته وتطويرها بما ينسجم مع الاستحقاقات الدولية لاطلاق عملية السلام وصولاً الى الحل العادل.
ولذلك نقول ان المسؤولية دولية بالأساس في انهاء الظلم التاريخي الواقع على الشعب الفلسطيني وإلزام اسرائيل بانهاء احتلالها، إلا أن مسؤولية الساحة الفلسطينية تكمن في وحدة الموقف السياسي الذي يجب ألاّ يكون معزولاً عن الشرعية الدولية بل يجب أن يستند اليها ويتمسك بها فلا يعقل أن يستمع العالم لنا ونحن نتحدث بصوتين كما لا يعقل أن يتحرك العالم لنصرتنا ونحن نتنكر للمرجعية الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية أو للاتفاقيات الدولية الموقعة.
ولهذا وفي الوقت الذي لاقت فيه المواقف الشجاعة الواقعية والمشروعة التي عبر عنها الرئيس أمام الجمعية العامة الترحيب والتأييد من قبل زعماء العالم أجمع فإن المصلحة الوطنية العليا يجب أن تدفع كافة القوى الوطنية وخاصة حركتي »فتح« و»حماس« الى الالتفاف حول الموقف السياسي الذي طرحه الرئيس، الذي تمسك بالحقوق الثابتة والمشروعة لشعبنا وان يشكل ذلك أساساً لبرنامج حكومة وحدة وطنية ستحظى بلا شك بدعم ومساندة المجتمع الدولي، وعندها لن تستطيع استغلال انقسام الموقف الفلسطيني للاستمرار في تنفيذ مخططاتها الاستيطانية وفي عرقلة جهود السلام.
ويبدو التحرك الفلسطيني ملحاً أكثر في الوقت الذي تسعى فيه اللجنة الرباعية الدولية ووزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس البدء بتحرك سياسي قريباً بهدف احياء جهود السلام. ولهذا لا بد من دعم الرسالة الواضحة التي عبر عنها الرئيس عباس أمام المجتمع الدولي برسالة أخرى لا تقل أهمية تؤكد وحدة الموقف الفلسطيني وتعكس رغبة شعبنا في تحقيق السلام العادل.