أصبح صدور التقارير التنموية الدولية مناسبة لإحراج العالم العربي فالأرقام في مجالات الاقتصاد والتعليم ومؤشرات الحريات والشفافية تشير إلى تراجع عام - مع استثناءات محدودة - وكأن العالم العربي يغرق بشكل بطئ ويتجه إلى مصير مظلم بينما دعوات الإصلاح محاصرة بالشكوك والاتهامات ومساعي التغيير مكبلة بأفكار وخيارات يريد البعض أن يجعلها «مقدسة».
ويعتبر التخلي عنها خروجا عن الوطنية وتخليا عن الهوية رغم أنها لا تعدو أن تكون «خيارات» تجوز المفاضلة بينها وبين غيرها ويجوز العدول عنها بناء على تقييم منصف لما أسفرت عنه، فأول ما يصيب الأمم بالتكلس والعجز أن يغيب معيار الكفاءة في تقييم البدائل وأن يزول الخيط الفاصل بين الغايات والوسائل.
ومن لم يتعلم من دروس التاريخ فإنما يفرط في أميز ما فضل الله به الإنسان على غيره من الكائنات وهو أنه كائن «ذو تاريخ» وبالتالي قادر على التعلم من خبرات السابقين وتجارب المعاصرين، ومن أراد أن يرى عاقبة السير ضد التاريخ فلينظر إلى العالم العربي!
مرض الاستثناء
ومن الحقائق الثابتة في الاجتماع الإنساني أن البشر على اختلاف ألوانهم وأعراقهم وأديانهم بين مشتركات هي الفطرة ولكن الصعود الكبير للفكر القومي في حقبة التحرر الوطني تجاوز دوره في تعزيز الإحساس بالاختلاف عن الآخر «المستعمر» ليصبح شرنقة تفصلنا عن العالم وهو ما يعبر عنه المفكر الليبرالي المصري المرموق الدكتور حازم الببلاوي متهكما بشعار «إحنا حاجة تانية».
وقد تحول هذا الشعار من تعبير عن التمايز والمكانة العالية إلى حقيقة مخيفة في تقرير تنموي صدر حديثا جاء فيه أن البطالة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الأعلى في العالم، أي أننا بدل أن تكون نتيجة إحساسنا بالتميز أن ننجز إنجازا اقتصاديا متميزا صرنا «استثناء في الفشل».
التقرير هو «تقرير البنك الدولي عن التنمية في العالم 2007» وتقول إحصاءاته إن هذه المنطقة تشهد أعلى معدلات البطالة في العالم حيث تزيد معدلات البطالة على 25 % وحمل التقرير النظام الدراسي في المنطقة جزءاً من المسؤولية .
حيث إنه لا يرتبط بسوق العمل، والرقم الأكثر إثارة للرعب هو من ثمار التسويف الذي ما زال العربي يتخبط في ظلماته ففرص العمل التي يحتاج إليها حل المشكلة ستصل إلى 100 مليون فرصة عمل جديدة بحلول عام 2020 وذلك حتى تستطيع تثبيت حالة العمالة لديها.
التقرير يعني أن العالم العربي لم يستطع حتى الآن التكيف مع حقيقة أن الاقتصاد الاشتراكي أو المختلط لم يعد الوسيلة الأنسب للتنمية وهي حقيقة استوعبتها الدول التي تحكم مباشرة بأنظمة شيوعية وتحولت إلى اقتصاديات السوق خلال سنوات محدودة دون أن تتعامل مع النظام الاقتصادي بوصفه شيئاً مقدساً أو خياراً وطنياً وقد أثبتت التجربة - حتى الآن على الأقل - أن الخيار الجديد أكثر كفاءة.
دروس إعادة البناء
وفي الحقيقة فإن دروس إعادة البناء بعد الحروب أو بعد انهيار منظومات فاشلة كثيرة وبعضها صادم، فدول المعسكر الشيوعي السابق حققت نجاحات اقتصادية مهمة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي .
وبعضها نجح في تحقيق المعايير الاقتصادية للانضمام للاتحاد الأوروبي رغم صرامتها، فإذا عدنا إلى الوراء قليلاً وجدنا أن حقائق التجربة اليابانية في إعادة البناء بعد الهزيمة النكراء في الحرب العالمية الثانية حافلة بدروس أعمق ولمن أراد ألا يخدع نفسه هي دليل إدانة واضح لمنطق تفكير صانع القرار العربي والنخبة المثقفة معاً.
ففي مطلع العام 1945 تحولت أكثر من مئة مدينة يابانية إلى رماد أما العاصمة طوكيو فخسرت في ليلة واحدة (9 مارس) عدداً من أحيائها بعد ألقيت عليها 700 قنبلة حارقة وفي الليلة التالية حدث ما يشبه ذلك في مدينة أخرى ثم عاد القصف ليتركز على طوكيو بـ 8500 طن من القنابل وحتى مايو من العام نفسه كان لسان النار يمتد إلى الموانئ والمدن الساحلية، وقد أعاد اليابانيون بناء كل ما دمرته الحرب في ثلاثة أعوام!
فهل نحن في حالة أسوأ من حالة اليابان في نهاية الحرب العالمية الثانية؟
لقد استطاع اليابانيون بدءاً من العام 1950 أن يحققوا أعلى معدل تنمية في العالم تراوح بين 12% و9% وهو ما استمر حتى عام 1965 أما بقية قصة المعجزة اليابانية فمعروفة، وقد حقق اليابانيون ذلك في وجود احتلال أميركي عسكري مباشر ومعاهدة استسلام ما زالت توصف بأنها مذلة، فلماذا لم تحقق نخب التحرر الوطني العربية شيئاً من ذلك رغم زوال الاحتلال؟ ورغم أن الصراع العربي الصهيوني أثر تأثيراً ملموساً في مسيرة التنمية العربية إلا أن هذا التأثير مقصور على الدول التي خاضت صراعاً مسلحاً مع الكيان الصهيوني، لكن واقع الفشل لا يرتبط بذلك.
آلام إعادة البناء
والدرس الذي تنطوي عليه هذه التجربة التاريخية وأمثالها أن إعادة إعمار ما دمرته الحرب أيسر كثيراً من إعادة بناء ما دمره الاستبداد فالعالم العربي مثقل ومقيد بمنطق التفكير السائد أكثر مما هو محاصر بمخططات ومؤامرات الأعداء وهو لا تنقصه الفرصة ولا الموارد ولكن تنقصه الإرادة فالتغيير يحتاج إلى شجاعة لأنه مؤلم وبخاصة إذا كان ما يجب التخلي عنه من خيارات يمثل بالنسبة للنخبة أكثر من مجرد شكل للتنظيم السياسي أو المذهب الاقتصادي.
وحالة التأرجح التي تمتد في بعض الدول العربية لأكثر من ربع قرن تعبير عن هذا الخوف من آلام إعادة البناء، ومن أوضح سمات هذا التأرجح أن المشاعر الوطنية والقومية تشكل المعيار الوحيد لتقييم البدائل المتاحة وهو ما يساعد صانع القرار على تفادي قرار الإصلاح والتغيير بسهولة، لأنه يكون عندئذ مستجيباً لمشاعر وطنية.
وإذا كان نصف قرن من الحكم الوطني الذي أعقب الاحتلال العسكري الغربي المباشر قد أدى إلى هذه التركة الثقيلة من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والمقارنة مع تجارب الآخرين دليل دامغ على أن الكفاءة غائبة تماماً عن الخيار الذي انحزنا إليه.
ولقد أثبتت تجربة انهيار الاتحاد السوفييتي والتردي المتواصل في أحوال روسيا قياساً بدول شرق أوروبا التي قررت أن تتحول جذرياً عن الشمولية السياسية والاقتصادية معاً أن «الاعتراف بالفشل فضيلة» وأن التراجع عن الخيارات الفاشلة ينطوي على شجاعة أكبر بكثير من التعلق العاطفي بتراث الاشتراكية والثورية دون نظر إلى حصادهما المر اقتصادياً وسياسياً.
فهل من اجتهاد جديد لا يضفي قداسة على الوسائل ولا يختصر مأساتنا بشعار «إحنا حاجة تانية»؟!
كاتب مصري