عرض رئيس الحكومة الفلسطينية، إسماعيل هنية، على إسرائيل «هدنة لمدة عشر سنوات»، بعد قبولها بقيام دولة فلسطينية على أراضي 1967 وعودة اللاجئين. بسرعة ردّت إسرائيل بالرفض. لم يكن ذلك مفاجئاً. فهي تريد الأرض والسلام معاً، وتمقت كل ما عدا هذا الثنائي.

هنية كشف عن براغماتية ووضع تل أبيب، مرة أخرى، في خندق السلبية. وفي ذلك مكسب للجانب الفلسطيني. لكن التوقيت أدّى إلى التعكير عليه. ففي الوقت الذي تطرح فيه هدنة على إسرائيل، يبدو الوضع الفلسطيني الداخلي في أمسّ الحاجة إلى هدنة بين أطرافه وعلاقاتها المتوترة.

وهي حاجة مطلوبة من الجميع وليس فقط من جانب «حماس». فالساحة الفلسطينية عادت مؤخراً إلى الغليان. وكل يوم ترتفع فيه وتزيد درجة حرارة أجوائها.

والأنكى أن هذا الغليان المتزايد الجديد، أتى في أعقاب تطورات إيجابية، تمثلت في التوافق على تشكيل حكومة واحدة وطنية، طال انتظارها. الأمر الذي كان بمثابة تبشير بفتح صفحة جديدة ودخول الساحة في حقبة التحالف الوطني العريض، الذي يكفل تحصينها وتقليل خسائرها. لكن الأمور سارت من جديد باتجاه التأزيم والعودة إلى التراشق، من بعيد، بالتصريحات والتصريحات المضادة، وبما كشف عن هشاشة ذلك التوافق.

الرئيس عباس، في خطابه أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة، قال إن الحكومة الجديدة المرتقبة ستعترف بإسرائيل وتنبذ العنف، لتعتمد المفاوضات كفريق يقود إلى قيام دولة فلسطين المستقلة، استثار كلام الرئيس هذا رداً من رئيس الحكومة الفلسطينية، ومن وزير الخارجية بأن حماس «لن تعترف» بإسرائيل، كما «لن تشارك بحكومة تعترف بإسرائيل».

من دون الخوض في التصريحات باعتبارها شأناً داخلياً فلسطينياً، ثمة تساؤل يطرح نفسه: لماذا لم يشمل التوافق الذي حصل، هذه القضايا الخلافية بحيث يكون الموقف منها موحداً؟ ذلك أن تركها معلقة ثم انفجار الجدل حولها، لا بدّ وأن يترك تأثيراته السلبية على مجمل الحركة الفلسطينية.

بل على التحرك العربي باتجاه نقل الملف الفلسطيني إلى مجلس الأمن. وها هو الرئيس الفلسطيني لم يحصل على أشياء ملموسة خلال اتصالاته المكثفة التي أجراها في نيويورك وواشنطن. فقط حظي بالكلام المعسول، وها هو مجلس الأمن ينعقد للنظر في المبادرة العربية.

ولكن على طريقة رفع العتب، حسب ما بدا، إذ إنه لم يصدر عنه أي بيان رئاسي، مخاطبة العالم بلسانين، يصبّ حكماً في عرقلة المساعي الدولية ويعطي إسرائيل ومعها واشنطن المزيد من الذخيرة لإفشال مثل هذه المساعي واختلاق الذرائع بهدف الالتفاف على أي توجه جاد لإحياء عملية السلام.

أو في أحسن الحالات، للتعامل مع التحرك الدبلوماسي بلغة التأجيل والتسويف، مثل قرار الإدارة الأميركية بإيفاد الوزيرة رايس إلى المنطقة قريباً. مع أن جميع الأطراف الذين تعتزم الوزيرة اللقاء معهم، كانوا متواجدين في نيويورك.

سواء حصل اللقاء مع الجانب الأميركي في الولايات المتحدة أم في عواصم المنطقة، لن يكون هناك فارق في النتائج، إذا لم يكن المتحاور معه ينطلق من موقع أو موقف واحد، يستند إلى الحد الأدنى من الوحدة الوطنية الداخلية.

هذا الموقف تخلخل، بالنسبة للطرف الفلسطيني بسبب خلافاته غير المحسومة. والآن عادت الأمور إلى المربع الأول ـ على حد تعبير الرئيس عباس ـ بين «فتح» و«حماس»، وعلى الفريقين تسوية البيت الداخلي قبل مواجهة الخصم المتربص بهما.