على مدى سنوات، ولأكثر من مرة، وبصورة ربما اعتبرها البعض تكرارا لا لزوم له.. كنت اكتب عن «زلة لسان» الرئيس الأميركي التي أعلن فيها «الحرب الصليبية المقدسة» بعد أحداث 11 سبتمبر، باعتبارها العبارة الكاشفة عن الخطر الأكبر الذي يهددنا ويهدد العالم كله.

احداث 11 سبتمبر لم تكن إلا المناسبة التي وضعت فيها سياسات مقررة موضع التنفيذ، وأخرجت خططا معدة من قبل من أدراج الإدارة الأميركية لكي يتم تفعليها. ولأن هذه الخطط كانت تقضي بغزو العراق أولا، فقد كانت هذه هي أولى الخطط التي طرحت في اجتماعات الرئيس الأميركي بأركان إدارته بعد كارثة 11سبتمبر.

ولكنهم لم يجدوا يومها مبرراً يمكن ان يمرروه للحلفاء ولا للرأي العام، فهم يعرفون انه لا علاقة بين النظام السابق في العراق وبين «القاعدة» أو غيرها من المنظمات الإرهابية التي تتاجر بالإسلام، ومن هنا كان الاتجاه لأفغانستان، وبعدها جاء دور العراق مرة أخرى بعد أن تم تلفيق الاتهامات وترتيب حكاية أسلحة الدمار الشامل.. وكان ما كان !

الخطط كانت معدة سلفاً، واليمين الصهيوني الذي أوصل بوش إلى مقعده في البيت الأبيض والمتحالف مع المتشددين في الحزب الجمهوري، كانت لهم رؤيتهم منذ سقوط الاتحاد السوفييتي، هذه الرؤية التي اختلطت فيها الأساطير الدينية التي تربط عودة المسيح باستكمال السيطرة على فلسطين، بالأهداف الاستراتيجية التي تريد أن تضمن انفراد أميركا بالهيمنة على العالم وضرب أي تحد لهذه السيطرة من جانب أوروبا أو الصين أو غيرهما من القوى المؤهلة لمنازعة الانفراد الأميركي.

الأساطير الدينية لدى اليمين الأميركي، والأهداف الاستراتيجية لدى المتشددين من المؤسسة العسكرية والسياسية، كان لابد لها من اختراع «عدو» تحشد وراءه الرأي العام، وكان العدو من البداية هو الإسلام والعرب. خاصة ان الجائزة في هذه الحالة ستكون كبيرة حيث الموقع الاستراتيجي والثروة البترولية في الانتظار وعلى مدى خمس سنوات بعد 11 سبتمبر كان المخطط يمضي في أكثر من اتجاه:

* لم يكن غزو العراق مجرد عمل عسكري لإسقاط النظام كما قيل في البداية، ولكنه امتد ليكون مخططا كاملا لتدمير العراق وإعادته للقرون الوسطى، وإغراقه في بحر الدماء، وقيادته نحو التقسيم والحرب الأهلية. والمصيبة أن يتم ذلك كله على وقع معزوفة تتكرر على السنة القيادات الأميركية بأن العراق سيكون هو «النموذج» الديمقراطي الذي يتم تعميمه في العالم العربي!!

ـ ومن البداية وضحت النوايا الأميركية. ليس فقط بتدمير أجهزة الدولة لتعم الفوضى، ولكن أيضا لبناء كيان جديد كان التصميم من البداية أن يكون طائفياً مئة في المئة.

ورفض الحاكم الأميركي برايمز من البداية كل «النصائح» التي وجهت إليه بأن يكون التمثيل في الانتخابات التي تمت على أساس المحافظات وليس على أساس الطوائف الدينية فالمطلوب هو كيان طائفي يسهل تقسيمه بعد ذلك ويسهل إغراقه في الحروب الأهلية باسم الدين المفترى عليه.

ولا شك ان الخطة نجحت، وغرق العراق في الفتنة التي يراد لها الآن أن تكون جاهزة للتصدير لباقي العالم العربي ثم الإسلامي. وإذا كان السودان ولبنان يشهدان الآن بعض تجليات هذا المخطط، فباقي الدول العربية والإسلامية ليست بعيدة عن المخطط. وربما تكون الحرب مع إيران أو الصلح معها (سيان الأمر) هي المناسبة لنشر الفتنة الكبرى بين الشيعة والسنة على طول وعرض العالم الإسلامي!

ـ وفي نفس الوقت الذي كانت هذه الحملة تمضي في طريقها على مدى السنوات الخمس الماضية، كانت الجهود تتواصل من اجل تقديم الإسلام والمسلمين للرأي العام العالمي في أسوأ صورة ممكنة، وبهدف زرع الانطباع ثم اليقين بالارتباط الوثيق بين الإسلام والإرهاب.

وهو ما انتهت أخيرا بإعلان الرئيس الأميركي للقرن الحادي والعشرين قرناً للحرب على «الفاشية الإسلامية» ليجسد عند الرأي العام الصورة المطلوبة التي تبرر الحرب على الإسلام والمسلمين وليس فقط على «الإرهاب» الذي كان في جزء كبير منه صنيعة الولايات المتحدة نفسها.

على الطريق لتحقيق هذا الهدف، جرى تقديم قيادات التطرف باعتبارهما الممثلين «الشرعيين» للإسلام والمسلمين، ولعل هذا هو ما يفسر «حرص» أميركا على إبقاء هذه القيادات هاربة وعدم التخلص منها لتكون المبرر لما تفعل بالإسلام والمسلمين، وليكون هذا هو السبيل لخداع الرأي العام الأميركي والأوربي بضرورة التصدي لهذا الخطر الذي لا يخفي عداءه للحضارة الغربية والذي يعلن الحرب (على شاشات التليفزيون المفتوحة أمامه والمرحبة به!!) على المسيحية واليهودية!

ـ وليس فقط قادة التطرف هم الذين يرسمون صورتنا أمام العالم. فنحن والحمد الله نملك رصيداً هائلاً من الأوراق التي يمكن ان تستخدم ضدنا. فكيف نفسر عجزنا عن عبور حالة التخلف التي ورثناها عن الاستعمار رغم كل الموارد التي أصبحت في أيدينا ورغم إنجازنا لتجارب ناجحة في اكثر من منطقة، لكن الصورة تبقى أننا عاجزون عن اللحاق بالعالم وأننا مازلنا نعاني من التخلف ومن المجاعة ومن غياب الديموقراطية في الغالب الأعم.

ـ ويبدو الآن اننا امام مرحلة جديدة متقدمة في الحرب التي نبهنا إليها منذ سنوات، وان المسرح يعد لخطوات أبعد في هذا المجال. ولعل هذا هو ما يفسر توالي الإساءات للإسلام والمسلمين وحملات التحريض التي انتقلت من الرسوم الدنماركية إلى كتابات جاهلة إلى ان انتهت ببابا الفاتيكان الذي لا تعني أقواله إلا شيئا واحداً وهو انه أعطى مباركة الكنيسة لـ «زلة اللسان» التي أطلقها الرئيس الأميركي منذ خمس سنوات وأعلن فيها «الحرب الصليبية المقدسة» على الإسلام والمسلمين!!

والموقف خطير، والمؤامرة اكبر من «زلة لسان» أو «اقتباس» خاطئ. ولن يجدي في المواجهة أن نغرق في الانفعال وان نصيح ونتظاهر ونحرق الأعلام، أو ننجرف إلى الخطأ بمهاجمة السفارات أو الاعتداء على الكنائس، فنعطي لأعدائنا ما يريدون.

إننا مطالبون بوقفة جادة مع النفس أولا ثم مع الآخرين. وقفة نتصدى فيها أولا لمؤامرة تشويه الإسلام بتصويرنا اننا جميعا اتباع للإرهاب الذي صنعته أميركا نفسها، ونتصدى فيها لمؤامرة جرنا للفتنة الكبرى بين الشيعة والسنة، ونتصدى فيها لمحاولة تقسيم أوطاننا وتفكيك دولنا وزرع الحروب الأهلية بيننا.

إننا مطالبون بأن نمسك باللحظة التي جسدتها الحرب في لبنان، وهي اننا قادرون على النصر حين نتمسك بالمقاومة، وقادرون على الإنجاز حين نحقق الحد الأدنى من التوافق، وقادرون على التصدي حين نستعيد القدرة على الفعل والشجاعة في المبادرة.

إننا مطالبون بأن نقدم الصورة الصحيحة للإسلام دينا للتسامح ورسالة تعلي قيمة العقل وتؤكد على كرامة الإنسان. لكن الصورة لن تكون صحيحة إلا إذا جسدت واقعاً على الأرض في مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

المؤامرة كبيرة، ومهمتنا في مواجهتها صعبة، ولكنها ضرورة ليست فقط من أجل إنقاذ أنفسنا، ولكن من أجل إنقاذ العالم كله من هذا «الهوس الديني» الذي يتحالف فيه البعض ليقودوا العالم إلى المأساة تحت راية أديان رسالتها التسامح وهدفها كرامة الإنسان على الأرض.

نقيب الصحافيين المصريين