أكبر هدية يمكن لحزب الله أن يقدّمها اليوم وهو يحتفل بعيد نصره هي أن يجيّر الفشل الاسرائيلي العسكري لصالح واقع لبناني جديد يأخذ بعين الاعتبار مواقف كل الأطراف ويضع لبنة جديدة في بنيان الوحدة الداخلية وذلك على الرغم من المرارة التي يشعر بها قادة وأعضاء هذا الحزب من مواقف عدة صدرت عن بعض الأطراف إبان وبعد الحرب وعلى الرغم من ذلك الاحساس العميق بالجرح الغائر الذي سبّّبته تصريحات استفزازية لغرمائه السياسيين!

أكاد أقول إنه على حزب الله هذه المرة أيضا أن يضرب مثالا في العفو والسّّماحة كما فعل سنة2000 حيث امتنع عن تصفية الحسابات عبر اراقة الدماء أو عبر أي شكل من أشكال الادانة متفهّما وقتها لظروف الناس وعارفا بأن التحمّل النفسي للضغوطات يختلف من شخص الى آخر ومن رف الى ظرف. وأكاد أجزم أنه على حزب الله أن يوقن بأن الجبهة الاخرى ليست واحدة فشتان مثلا بين مواقف السيد فؤاد السنيورة والمؤثرة وبين مواقف وليد جنبلاط التي لا تنمّ الا عن شخصية لا تستحق أصلا أن تتواجد في المشهد السياسي اللبناني، ولا يمكن أن يثق بها لا الحليف ولا العدو!

وقبل هذا وذاك فإن الحاجة في لبنان لجبهة داخلية قوية وموحدة هي لصالح حزب الله قبل أي طرف آخر ذلك ان وضعه الحالي لا يقل في مخاطره عن أوضاعه إبان الحرب، هذا اذا لم تكن المخاطر قد زادت بعدها. ولا شك ان حزب الله وإن كان قادرا من قبل على حماية نفسه فإن تلك القدرة لم تكتمل الا بحماية عدة أطراف أخرى له منها المسيحية ومنها السنّية. فلولا ذلك الالتفاف الوطني حوله لكان هذا الحزب أقل ثقلا، ولولا تلك الحماية التي وفّّرتها له الدولة اللبنانية بما يتجاوز أحيانا طاقتها والتزاماتها لكان وزنه على غير ما هو موجود!

وقد أثبت هذا الحزب من قبل وفي مرات عديدة أنه يفهم منطق الدولة بحيث استطاع ان يتكيّف كتنظيم مسلّح وموجود على لائحة الارهاب الامريكية مع هذه المعادلة الصعبة على الدولة قبل أن تكون صعبة عليه كحزب وعليه الآن أن يواصل ذلك الفهم وأن يدرك بأن تغيّرات استراتيجية كبرى حصلت في لبنان ليست بالضرورة هي ذات التغيرات التي تقرؤها قيادته لا في مستوى الداخل اللبناني ولا في مستوى المطلوب دوليا.

ولقد أثبت هذا الحزب في تاريخه أنه نبيه وأنه مرن على الرغم من ايديولوجيته المتشددة ومن وسائل عمله الأقرب الى أساليب التنظيمات السرية، ولذلك استطاع في فترة ما أن يحصل على شبه اجماع وأن يتمتع باحترام غالبية اللبنانيين، وهو ما كان نتيجة لمرونته ونباهته وبهما استطاع ان ينسي اللبنانيين تشدده الفكري بل وأن يطمئنهم بأن حياتهم المتنوعة ومشاربهم المتعددة لن تتأثر بقوته وبصعوده الصاروخي الكاسح.

إن حزب الله لن يستطيع أن يحصّن نفسه في المستقبل الا اذا ما واصل قبوله بالآخرين وتفهّمه لهم خصوصا عندما يختلفون معه وخصوصا عندما يحكم التاريخ ان يمتلكوا هم زمام المبادرة، على الاقل لفترة زمنية!

عبد الرؤوف المقدمي