من محاسن الصدف أن يهل علينا شهر رمضان المبارك هذا العام بأجوائه الروحانية وسماته العظام متزامناً مع النجاح الكبير الذي حققه شعبنا في مضمار العمل الديمقراطي، وقد تجسد ذلك في الانتخابات الرئاسية والمحلية التي جرت في مناخات حرة ونزيهة سادها التنافس الشريف والتفاعل الجماهيري الخلاق والمشاركة الواسعة التي استحقت ثناء وإعجاب وتقدير العالم كله.
- والحقيقة أن الشعب اليمني بتلك الصورة الايجابية التي ظهر بها في تلك الانتخابات قد أكد تأكيداً واضحاً على أن تصويته في صناديق الاقتراع قد جاء مشفوعاً بانحيازه الكامل لخيار الديمقراطية ونهجها القويم الذي أتاح له انتخاب حكامه وامتلاك إرادته الحرة وإبراز جدارته في حكم نفسه بنفسه في إطار منظومة تترسخ فيها معاني الشراكة الوطنية البناءة إزاء كل ما نستطيع تحقيقه في الحاضر والمستقبل، خاصة وقد جاءت الانتخابات الأخيرة لتفتح أمام اليمنيين آفاقاً رحبة لصنع غدٍ مشرق تتحقق فيه الآمال والتطلعات والطموحات الوطنية.
- وغنياً عن البيان أننا وبعد ذلك الإنجاز الحضاري قد دخلنا مرحلة جديدة تختلف في مضمونها ومعطياتها عما سبقها من مراحل حتى وإن لم تكن منفصلة عنها وهي مرحلة ينبغي أن تكرس فيها الجهود لرفع معدلات التنمية ومواجهة مشكلة البطالة وتحسين معيشة المواطنين وتقوية جسور التكامل بين كافة قطاعات المجتمع أحزاباً ومنظمات وأفراداً، وذلك لما من شأنه الدفع بخطوات البناء والنهوض باليمن الجديد، ومسؤولية كهذه لاتقع على الطرف الفائز في الانتخابات بل هي مسؤولية كل أبناء اليمن وفي مقدمتهم الأحزاب السياسية بصرف النظر أكانت في السلطة أو المعارضة لقناعتنا وإيماننا العميق بأن ما جرى ضمن المشهد الانتخابي كان الفائز الأول فيه هو الشعب اليمني كما اشار إلى ذلك فخامة الرئيس علي عبدالله صالح في خطابه الذي وجهه مساء أمس بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك.
- وإذا ما سلمنا بهذا الأمر فإننا سنجد أنفسنا مطالبون بالتعاطي مع المرحلة الجديدة بروح يتقدم فيها العام على الخاص وجعل مصلحة الوطن تعلو على المصالح الذاتية والأنانية وهو ما يفرض بالضرورة استشعار الجميع بحتمية أن كل ما أتت به الديمقراطية يجب أن يحترم لكونه يمثل إرادة الشعب التي عبر عنها في صناديق الاقتراع، ولايجوز بأي حال من الأحوال التشكيك بما أفضت إليه هذه الإرادة تحت أي مبرر من المبررات.
- كما أن من الأهمية الإدراك بأننا وبعد أن مارس الجميع حقه الدستوري والديمقراطي في صناديق الاقتراع، يتعين إغلاق باب المعارك الكلامية والجدل الذي ساد أثناء فترة الدعاية الانتخابية، حيث لم يعد من المقبول الاستمرار في تبادل الاتهامات وإثارة الزوابع أكان ذلك بدافع المناكفة السياسية أو رغبة في تشويه صورة الآخر، فما كان مستساغاً تحت حمى التنافس الانتخابي في تلك الفترة لا يمكن التغاضي عنه بعد إجراء الانتخابات.
- ومن الواقعية أن تنتقل المعارضة إلى دائرة المعارضة الإيجابية التي تستهدف البناء لا الهدم والإصلاح لا التشكيك بكل شيء وأن تتفرغ لتقييم آلياتها وأدائها في معالجة جادة تسمح لها بالالتصاق بهموم الجماهير وكسب ثقتها والحصول على أصواتها في الانتخابات القادمة، مستفيدة من دروس الانتخابات الأخيرة بما يوفر لها القدرة على بلوغ أهدافها وطموحاتها واستشراف حقيقة الديمقراطية التي يكون فيها البقاء للأصلح.