التف جميع أفراد العائلة الذين لم يلتقوا منذ سنوات حول السرير في المستشفى الذي كانت ترقد عليه واحدة من افراد العائلة وهي على فراش الموت، هدوء غريب ساد الغرفة والعيون كلها متجهة نحو المريضة التي كانت في غيبوبة تامة والقلوب تتضرع إلى الله طالبة الشفاء لها أو على الأقل تحرك جفنا، والشفاه تتمتم بقراءة القرآن الكريم رحمة وغفرانا لمريضتهم.
قطع ذلك الصمت الرهيب صوت أحد الواقفين وهو يتساءل ماذا لو كان لقاؤنا هذا واجتماعنا الكبير هذا في غير موضع وغير هذا الموقف، لم لا يكون لقاؤنا إلا في المآسي والمواقف الحزينة؟
تساؤل وقع على الجميع كالصاعقة، جعل الأنظار والأسماع تتجه صوب طارحه، وزادوا عليه من عندهم فعلا، لم لا نجتمع ولا نتلاقى سوى في غرف العناية المركزة حول مريض يحتضر أو في مجالس العزاء، وفي أحسن الظروف في الأعياد في احتفاليات بروتوكولية نتصافح ونقبل رؤوس الكبار ويتواجه الرجال، وتنتهي اللقاءات على أمل اللقاء في مناسبة مقبلة.
في ذلك المكان اتفق الجميع على بداية جديدة في صلات الرحم والتواصل، فمن غير المعقول أن يكون أول اللقاءات والتعارف بين أبناء العائلة وهم كبار يستغرب هؤلاء من أولئك وتضيع محاولات الكبار في التقرب بين الجيل الثاني من أفراد العائلة الواحدة سدى، أو ينظر إليها البعض منهم نظرة استغراب وتعجب.
المهم قضى الجميع أياما عدة يتلاقون في المستشفى في تناوبهم على زيارة المريضة التي توفاها الله بعد أسبوعين. والتقى الجميع في مجلس العزاء وبعده استمرت لقاءاتهم أسبوعيا لأشهر قلت تلك اللقاءات شيئا فشيئا ثم تلاشت وعاد كل منهم إلى سيرته وانشغل بحياته ونسي أمر التواصل إلا في المناسبات المعهودة.
مرت سنتان ووجد الجميع أنفسهم مرة ثانية في ذات الموقف. هذه المرة كانوا بقرب عميد الأسرة، و بدا كل منهم وكأنه يلوم نفسه على ما كان منه في عدم الالتزام بلقاء أفراد عائلته والتواصل والتراحم، فما فائدة جري الوحوش وراء رزق لن يحوش إلا ما كتب له.
توفي القريب، حزن الجميع وبكى، وأكثر الدموع التي ذرفوها كانت على تلك الأيام التي ذهبت من حياة الواحد منهم بعيدا عمن يحبهم ويحبونه، فلنتراحم
ولنتلاحم ونتواصل في الشهر الكريم أعاده الله علينا وعليكم بالخير والبركات.