بعض الآراء التي عبرت عن نفسها مع انعقاد قمة حركة عدم الانحياز الرابعة عشرة، والتي اختتمت أعمالها مطلع الأسبوع الماضي في العاصمة الكوبية «هافانا» والتي تكاد تتبلور في أربعة اتجاهات تستدعي المناقشة.

الأول رأى في تغير الظروف الدولية بغياب القطب السوفييتي وبقاء القطب الأميركي ونهاية الحرب الباردة، واختفاء شبح الحرب النووية بين موسكو وواشنطن سبباً لانتهاء دور الحركة .

والثاني رأى أن الفلسفة التي أطلقت تشكيل الحركة في ظل الصراع بين الكتلتين، لم تعد تتطابق مع واقع العلاقات الدولية بعد انتهاء الصراع بغياب «حلف وارسو» وتمدد «حلف الناتو».

فيما رأى الثالث أنه يلزم لاستمرار دور الحركة تغيير أهدافها بحيث تلعب دورا تنمويا أساسيا، والتخلي عما أسمته شعاراتها القديمة لتصفية الاستعمار ودعم التحرر الوطني بعدما انتهى عصر الاستعمار.

بينما الرابع دعوة من بعض حكماء الواقعية الجديدة بالتسليم بانتهاء عصر توازن القوى الدولية وفشل الاشتراكية والقبول بالأمر الواقع الجديد دون مقاومة للنظام العالمي الجديد بالقيادة الرأسمالية الأميركية .

فهل حركة عدم الانحياز التي انطلقت من «قمة بلغراد» عام 61 بتاريخها الطويل الذي يقترب من النصف قرن، وبحجمها الكبير حيث تضم اليوم 118 دولة تمثل ثلثي أعضاء الأمم المتحدة، مازال دورها مطلوبا، ومازال لديها ما يمكن أن تقدمه لشعوبها ولعالمها، ومازالت قابلة للاستمرار والعطاء؟

أم أن بعض الذين يرون بعكس ذلك، سواء بحذف دور الحركة، أو بتعديل صيغتها، أو بتغيير وجهتها، أو بإضافة دور جديد لها هو الأقرب إلى الواقع، أو لعله هو المطلوب؟

ولنستعرض هذه الرؤى الأربع ولنناقشها بموضوعية وواقعية أيضا .

أولا.. حول ما إذا كان دور الحركة قد انتهى، بانتهاء الحرب الباردة نتيجة غياب القطب السوفييتي من صراع الثنائية القطبية، ومع بقاء القطب الأميركي الواحد، فلعلنا نرى العكس.. بل لعله في الواقع الجديد قد بدأ !

فعندما أطلق الزعماء الثلاثة ناصر ونهرو وتيتو هذه الحركة في ظل الحرب الباردة، ومخاطر نشوب الحرب النووية بين القطبين خصوصا حول أزمة الصواريخ السوفيتية بعد المحاولة الأميركية الفاشلة لغزو «كوبا»، كانوا في الواقع يدركون أن صراع القطبين هو بين الدول الكبرى على مد مناطق النفوذ لكل منهما للسيطرة على العالم.

وحتى لا تكون الدول الصغرى حديثة الاستقلال هي ساحة حروبهما الساخنة، برزت سياسة عدم الانحياز وكان الهدف الرئيسي منها تأكيد الاستقلال الوطني، وذلك بإيجاد عالم ثالث يرفض سياسة الأحلاف العسكرية حتى لا يقع في التبعية للقطب للأول أو للثاني ليجنب شعوبه المستقلة خطر أن تكون ساحة لصراع المصالح الكبرى، أو أن تسقط تحت نفوذ أي منهما .

من هنا ينتهي صراع القطبين بعد سقوط جدار برلين ليبقى على الساحة قطب واحد مدفوعا بفائض القوة ونشوة النصر إلى وضع «إستراتيجية القرن الأميركي» في محاولة للسيطرة وحيدا على العالم كله، وبشن الحروب الساخنة بحماقة القوة الفائضة في أراضي الدول الصغرى المستقلة.

وتمركز قواعده العسكرية فيها، وإعادة رسم خرائطها للسيطرة على ثرواتها ووضعها في دائرة مناطق النفوذ الأميركي تحقيقا لمصالحه الإستراتيجية الاستعمارية .

ليكون استقلال العالم الثالث الذي كان الحفاظ عليه هو الهدف الرئيسي لانطلاقة حركة عدم الانحياز مهددا في ظل عالم وحيد القرن الأميركي بصورة أكبر مما كان عليه في ستينات القرن الماضي في ظل التوازن بين القطبين، وبسبب اختلال ميزان القوى الذي كان يشكل حماية للدول المستقلة بين القرنين .

مما يدعونا إلى استنتاج موضوعي وواقعي هو أن العالم وخصوصا الدول المستقلة الصغرى فيه بحاجة الآن، في ظل جنوح وحيد القرن الأميركي مع غياب القطب السوفييتي، أكثر أي وقت مضى إلى تأكيد سياسة عدم الانحياز وتقوية دورها في الساحة الدولية وتعميق مبادئها في السياسة الدولية.

وأن ما يواجهه العالم من ظروف جديدة بمحاولات أميركية للهيمنة عليه لا يمكن أن تسمح بانتهاء سياسة رفض الهيمنة الدولية بعدم الانحياز إلى أي من مناطق نفوذ القطبين السوفييتي أو الأميركي وإلا كان معنى ذلك هو الاستسلام للسقوط في منطقة نفوذ قطب واحد هو القطب الأميركي فقط وهذا معناه ببساطه القبول بهيمنة القطب الواحد وانتهاء الاستقلال.

فهل هذا هو المطلوب؟! ومِن مَن؟.. من الشعوب الحرة الساعية إلى تأكيد استقلالها وحريتها وكرامتها ومن قياداتها المعبرة عن إرادتها، أم من القوة الساعية للهيمنة على العالم ومن التابعين لها شهود الزور على إرادة هذه الشعوب؟

إن المتغيرات العالمية والحقائق الجديدة في القرن الحادي والعشرين التي تواجه حركة عدم الانحياز بتحديات جديدة أكثر شراسة تتمثل في نوع من الاستعمار الجديد، إنما هي بحاجة لبداية انطلاقة جديدة باستجابات جديدة لهذه المتغيرات تنطلق من ثبات القواعد المبدئية التي انطلقت منها الحركة في القرن الماضي.

وهي تأكيد الاستقلال الوطني، ورفض سياسة الأحلاف مع القوى الكبرى ورفض القبول بالقواعد العسكرية أو السقوط في التبعية السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية، أو الوقوع في مناطق النفوذ الأميركية بتابعتها البريطانية وشريكتها الفرنسية وأداتها الإسرائيلية .

وبإضافة أهداف جديدة وابتداع آليات جديدة أكثر فاعلية وأكثر توافقا مع الحاجات الجديدة للشعوب، مثل إصلاح اختلال النظام الدولي الحالي وتعديل ميزان القوى في مجلس الأمن لصالح الدول الصغرى، والانتقال من الصراع السياسي والعسكري بين الشرق والغرب من أجل زيادة مناطق النفوذ إلى الحوار بين الشمال والجنوب من أجل زيادة معدلات التنمية في الدول النامية.

والعمل على تعزيز التحالف الدولي لمحاربة الفقر والظلم والمرض أولا باعتباره الثالوث الذي يولد الإرهاب، مع دعم مقاومة الشعوب التي لا تزال محتلة في فلسطين وأفغانستان والعراق لاستعادة استقلالها وحريتها وسيادتها، ورفض تدويل وعسكرة القضايا الوطنية بالفصل السابع أو قوات الأطلسي.

وأيضا تأكيد حرية وحقوق المواطن وكرامة الإنسان بعد أن تتحقق للوطن حريته وكرامته بالاستقلال، وزيادة معدلات التنمية المشتركة لشعوب الحركة، وتأكيد سياسة العدالة الاجتماعية بالتوزيع العادل للثروة الوطنية بعد أن تستعاد السيطرة الوطنية عليها من السيطرة الأجنبية والتوصل إلى صياغات جديدة وشراكات عادلة بين «الثمانية السمان» و«المئة وثلاثة وسبعين العجاف».

الفلسفة التي تمثل جوهر حركة عدم الانحياز حسبما نفهمها إنما تنبع من أننا كدول صغرى نامية مستقلة نرفض أية صيغة للعلاقات مع الدول الكبرى بالانحياز أو بالتحالف أو بالدخول في مناطق النفوذ تجعل منا الشريك المرفوع من الحساب لأننا الشريك الأصغر أو الأضعف، فإن مثل هذه الشراكة تعني تبعية مهينة وضارة ضد استقلالنا وحريتنا وكرامتنا ومصالح شعوبنا .

وحتى لا تكون شعوبنا العربية والإسلامية مع الشعوب الشقيقة والصديقة في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية هي الشريك الأصغر فإن مجموعة عدم الانحياز التي تضم سائر الأديان والقوميات والأيديولوجيات العالمية يمكن أن تمثل الكتلة الأكبر في ظل عالم التكتلات الدولية الكبرى، وبتعزيز تكاملها يمكن أن تكون القوة الأكثر تأثيرا سياسيا واقتصاديا بين القوى الكبرى في عالم اليوم الذي لا يحفل بالصغار ولا يأبه إلا بالأقوياء .

وفى النهاية.. يواصل قطار عدم الانحياز مسيرة النصف قرن، رغم المتغيرات المناخية والتضاريس الصعبة، انطلاقا من«بلغراد الأوروبية» محطته الأولى عام 61، مرورا بمحطته الرابعة عشرة في «هافانا اللاتينية» هذا العام.

ولولا أن العالم مازال بحاجة إلى عدم الانحياز ما كانت مصر العربية ستدعو ركابه المائة وثماني عشرة دولة إلى أن تكون محطته القادمة في العام 2009 هي القاهرة العربية الإسلامية الأفريقية التي كانت رائدة سياسة عم الانحياز .

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com