خطاب الرئيس بوش أمام الأمم المتحدة هذا الأسبوع لا يليق حتى برئيس دولة صغيرة حديثة الاستقلال، فضلاً عن قوة عظمى، ثم إن الرئيس كان من خلال الخطاب يأمر بالبر وينسى نفسه.

قال العرب الأقدمون: «لكل مقام مقال». والمقام الذي كان يخاطبه الرئيس الأميركي كان يتكون من أكبر نخبة عالمية ـ رؤساء دول ورؤساء حكومات من أركان الدنيا الأربعة ـ وليس مجموعة غوغائيين في قرية أميركية لا يعرفون حتى الحدود الجغرافية للولايات المتحدة.

كواعظ مبتدئ ألقى بوش على صناع القرار في العالم أجمع خطاباً توحي كل فقرة منه بأنه من تأليف شركة علاقات عامة.

بهذه السذاجة كان الخطاب موجهاً في أجزاء منه إلى شعوب عربية وإسلامية، وكأن أميركا رائدة التحرر في هذا العصر.

قال الرئيس الأميركي للشعب الإيراني: إن حكومتكم تستغل مواردكم «لتمويل الإرهابيين والسعي للحصول على أسلحة نووية». وقال: إنكم تستحقون فرصة لتقرروا مستقبلكم بأنفسكم، كما تستحقون اقتصاداً يكافئ مواهبكم.

ولنتساءل: هل افترض بوش أن الحضور النخبوي العالمي في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة يجهلون التاريخ الإيراني أو ليس لديهم الوسائل اللازمة لمعرفة حال فئات الشعب الإيراني خلال عهد الشاه بهلوي الذي فرضته الولايات المتحدة قسراً على شعبه بعد أن أتت به وكالة الاستخبارات الأميركية إلى السلطة عبر تدبير انقلابي؟

وهل افترض الرئيس الأميركي أيضاً أن الحاضرين النخبويين يجهلون أنه في إشارته إلى «الإرهابيين» الذين تقوم بتمويلهم الحكومة الإيرانية هي منظمات المقاومة اللبنانية والفلسطينية التي تناضل من أجل التحرر من الاستعمار الإسرائيلي الاستيطاني؟

على هذا المنوال الساذج خاطب بوش أيضاً الشعب العراقي قائلاً: «لن نتخلى عنكم في سياق نضالكم لبناء أمة حرة».

ويا لها من حرية جاء يحملها جيش غزاة أجنبي ليقيم قوة احتلالية تدشن عهد قهر دموي بينما تستولي على موارد صناعة النفط في ثالث دولة في العالم من حيث وفرة الاحتياطيات النفطية المثبتة.

وإلا فليقل لنا الرئيس الأميركي ما هي حصيلة ثلاث سنوات من الاحتلال الأميركي للعراق من حيث الحرية والديمقراطية؟

ومن المثير أنه بينما وجه الرئيس الأميركي رسالته «التحررية» إلى الشعب الإيراني التي يستنهضه فيها ويحرضه على الثورة ضد حكامه فإنه لم يشأ أن يتوجه برسالة تحررية مماثلة إلى الشعب الفلسطيني لتحريضه ضد إسرائيل علماً بأن الوضع الإيراني أياً يكون قضية داخلية بينما يواجه الشعب الفلسطيني قوة خارجية تفرض احتلالاً على أرضه.

بعبارات منتقاة حرص الرئيس بوش على طرح الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وكأنه مجرد نزاع حدودي عابر بين دولتين كاملتي السيادة.

هكذا وبأسلوب العلاقات العامة خاطب بوش زعماء العالم في الأمم المتحدة التي صدر عنها القرار (242) الذي يعتبر إسرائيل قوة احتلالية ويطالبها بالتالي بالجلاء عن الأراضي العربية، ذلك القرار الذي لم يدخل حتى الآن دائرة التنفيذ بسبب تمرد إسرائيلي عليه بدعم صامد من سلسلة رؤساء أميركيين لن يكون جورج بوش آخرهم.

وبعد، كيف يحق لبوش أن يبشر بالحرية في الخارج بينما يبني في داخل بلاده دولة بوليسية يجري فيها تحييد النظام القضائي الأميركي لصالح الأجهزة الأمنية؟