لست من الذين يعتقدون أن أداء المجالس المنتخبة السابقة في البحرين ولربما المعينة منها كان صفرا على اليسار، وهذا لا يعني بالضرورة، وفق تصور العامة، إن أصفاره اليمينية كثرة كثيرة، بل انها في واقع أمرها قلة قليلة. وإذا ما كان بعض من دخل المجلس قد تعلم منه شيئا، فإن بعضه الآخر لا يبدو أن التعلم كان من نصيبه.
وإذا ما كان البعض يعول على حضوره الإعلامي كدليل على المثابرة والعمل والذي قد يؤهله للفوز مرة أخرى في الانتخابات القادمة، فإن البعض الآخر منهم كانت الأربع سنين الماضية فرصة لا عوض لها وهو بإعلانه عدم الترشح فإنه يبدو بانتظار شيء أكثر «دسامة» وأرفع شأناً ووجاهة وأقل تعبا وإرهاقا.
وبات حضور البعض من هؤلاء في الإعلام المحلي ضرورة حياة لا يستطيع العيش دونها، إنها حالة من حالات تلبُس الإعلام التي قد يرقى بعضها إلى الحالات السيكو- مرضية..
من ناحية أخرى فإن من يحلل أداء بعض من الأفراد والقوى سواء تلك التي دخلت المجلس النيابي أو تلك التي قاطعته ودخلت المجلس البلدي لا يرى في أدائها أو أداء بعضها إلا شططا أو مهرجانات إعلامية وكلامية تغذي العواطف لا البطون، إلا بطون من دخل منهم أحد المجلسين، وانتفخت أوداجه وازداد عرضا وتسمنا.
حتى الستمئة دينار التي أعطيت لهم لفتح مكاتب وتسهيل أمور ناخبيهم لم تسلم هي الأخرى من «الابتلاع» باستثناء نفر قليل منهم. وبدت المناسبات الدينية وغير الدينية فرصة لتأكيد الحضور ولربما التقرب للعامة ولم تسلم من بعضهم حتى الفئات الاجتماعية الخاصة.
فمن استغلال لمناسبات الصيف الساخن وما يحمل من انتهاء عام دراسي وقرب آخر، إلى توظيف غير سليم لأوقات فراغ الشباب، وبدت صور البعض منهم في كل «عاير» ومكان، وهي في ذلك تزاحم المارة والمركبات.
وامتد ذلك ليشمل بعضا من الملاعب الرياضية حديثة النشأة والتكوين والتي بدت تتزاحم فيها الصور والأسماء لنواب سابقين وراغبين جدد في خوض غمار تجربة بدت فيها الفهلوة والشطارة سلاحا مهما في المعركة القادمة، لا النزاهة والأمانة والصدق.
وإذا ما كانت الدعوة والدعاية حقا للفرد في حملته، فإن من حق الناس التساؤل كذلك أين كان كل هؤلاء خلال الأربعة الأعوام الماضية، فمن كان فيهم طائفي حتى النخاع في المرحلة السابقة أصبح الآن مهتما بالتقريب بين المذاهب والفرق والملل. ومن لم يدخل مسجدا أصبح كثير الصلوات والزكوات ومن لم يدخل مأتما أصبح الأخير مركزا لندواته التوعوية وإن كان في خارج دائرته الانتخابية.
إننا جميعا مطالبون بالتدقيق في القادم الجديد لهذه المجالس. فمن استغل حاجة الناس ولم يصلح أوضاعهم، فمن الأجدر بهم أن ينفضوا من حوله.
كما أنه ليس كل من حمل راية الدين والتدين، أو أم المسلمين للصلاة أو تحدث باسم الدين أو عن الدين هو الأصدق والأصلح والأنزه. فكم من مدعي دين لم يكن الدين بالنسبة له إلا وسيلة لغاية، وكم من مدعي الوطنية لم تخل ممارساته من الفساد واللا- وطنية. فالتجربة السابقة حملت الكثير من النماذج البشرية والسياسية التي لم يمثل أداء البعض منها إلا فقاعة إعلامية.
لقد دأب البعض من هؤلاء على تبني خطاب علني يتسم بالمسايرة لرغبات الشارع أو إثارة بعض من مطالبه المعيشية وبين خطاب آخر فشل في أن يقيم وزناً كبيراً وسلطة تشريعية ندية.
إن قدراً من التمييز بين التدين واستغلال الدين مطلوب من قبل العامة، كما هو الحذر كذلك من المعتاشين على آلام الناس ومشكلاتهم. إننا بحاجة حقا لأشخاص جدد يتجاوزون ضعف أداء البعض وعصبويته.
إننا بحاجة حقا لأناس صادقين من أصحاب الرأي. ممن لا يسيل لعابهم على الموائد وممن نسوا الناس والعامة في غمرة نشوة الفوز بمقاعد، ولم تستفد منها إلا ذواتهم أو تنظيماتهم السياسية وان حملت هذه الدين راية.
إننا بحاجة لأولئك الذين يروا الوطن في عيون الناس وليس في عيونهم وأن يروا مصالح الناس في مصالح الوطن لا مصالح تنظيماتهم وجماعاتهم السياسية الضيقة أو المغرقة في الضيق. إننا مطالبون بانتخاب ذلك الفرد الصادق المنتمي للوطن وليس الحزب. ذلك الفرد المنتمي للأمة .
وليس الطائفة وهو ذلك الفرد الذي يعمل لصالح الأمة والوطن وليس لصالحه أو صالح طائفته أو جماعته أو قبيلته. نحن بحاجة لوطن يجمع الجميع ويتجاوز كل انتماءاتهم ونزعات بعضهم العصبوية والطائفية. فمن يحمل هذا الوطن وآلامه وتطلعاته هو الأجدر بالانتخاب وهو الأجدر بكرسي النيابة.
إننا حقا بحاجة لتغيير المعايير التي وفقها ننتخب ممثلينا في هذه المجالس.فليس التدين بالضرورة يعني النزاهة والحصانة من الفساد والقدرة على تمثيل الناس وسلطتهم التشريعية، كما أن ليس كل من ناهض السلطة ودخل سجونها هو الأقدر على تحمل مسؤوليات النيابة، أو أنه المعصوم من الغواية.
كاتب بحريني