هكذا يمكن باختصار وصف العلاقة الغربية الإيرانية المأزومة أو الصدام الاستراتيجي بين واشنطن وطهران أساسا. الصدام الذي يشكل العنصر الأساسي الذي يحكم الدينامية السياسية وغيرها في الشرق الأوسط.
في حين تبدو الأزمة النووية، أزمة امتلاك إيران لقدرة نووية مدنية كما تقول طهران ولخيار نووي عسكري كما يتهمها الغربيون، تبدو الأزمة النووية وكأنها المحدد الوحيد او الأساسي بالمطلق لهذه العلاقة المتوترة، تطغى عليها وتحكم مسارها.
كما يحكم التفاعل الدبلوماسي بين طرفيها الغربي والإيراني درجة التوتر وحدته. أزمة نووية لكنها تعبر في نهاية الأمر عن أزمة أعمق واشمل تتأثر بهذه الأخيرة وتؤثر فيها بالطبع.
أزمة اشمل يعبر عنها خطاب الأبلسة المتبادلة والمطلقات الأخلاقية القائمة على ثنائية الخير والشر وصدام يقوم على نزع الشرعية عن الآخر في الوجه الإيديولوجي لهذه المواجهة.
ولكن الصراع النووي الذي يشكل عنوان السياسات الإقليمية في المنطقة والمواجهة الإيديولوجية يعكسان أساسا مشكلة المكانة: الاعتراف بمكانة إيران الإقليمية وبالتالي حجم الدور والمصالح والنفوذ الإيراني في شرق أوسط يعيش مرحلة سيولة وتحولات وتمخضات هيكلية وشبه ثورية.
مسائل ثلاث تؤجج هذا الصدام بشكل أساسي: أولا، الأزمات القائمة والمتفجرة في المنطقة من بغداد إلى غزة جاذبة بقوة للتدخل الأميركي والإيراني بشكل متصادم ولو ظهر بعض التوافق الصامت أحيانا في الماضي كما كانت الحال في أفغانستان ثم العراق. توافق صار صعبا أكثر في العراق حيث تلعب إيران دور الحياد النقدي تجاه السياسة الأميركية.
ثانيا، غياب عربي فاضح عن الفعل وعن بلورة أجندة التعامل مع قضايا المنطقة وهي قضايا عربية أساسا، وبالتالي غياب الوزن المؤثر الأمر الذي كرس حالة من فراغ القوة جاذبة للاستراتيجيات الكبرى للآخرين.
ثالثا، وجود استراتيجيتين ناشطتين تغييريتين أميركية وإيرانية كل منها تملك قوة دفع عقائدية و رؤية للمنطقة ولترتيب هيكلية القوى فيها ولدورها ودور الآخرين، كما تملك أوراقا عديدة للتأثير وكذلك تحالفات موضوعية وظرفية.
تعاون صعب في العراق و صدام مفتوح في لبنان وفلسطين وتوتر ممسوك في الخليج، هذه لوحة العلاقات الراهنة الأميركية الإيرانية مع دور أوروبي حليف لواشنطن ولكنه يحاول التمايز عنها بعض الشيء ضمن سياسة امتصاص الصدمات ومنع الانفجار. دور تشجعه إيران التي تريد من التحاور مع الأوروبيين وعبرهم الوصول إلى التفاوض مباشرة بعد التفاوض بالواسطة مع الأميركيين.
حرب مستحيلة لأنها تعني «خيار شمشون» للجميع، احتواء وعزل عبر عقوبات تصاعدية وانتقائية لن يكون ناجحا وذات فعالية، الأمر الذي يؤكد على الخيار الثالث الصعب ولكن الممكن وهو الانخراط ضمن ما يعرف بسياسة الجزرة والعصا. السياسة التي ينتقدها بشدة المحافظون الجدد واصدقاؤهم في الادارة في واشنطن دون ان يملكوا القدرة على تقديم بديل عملي للخروج من هذا المأزق.
سياسة حافة الهاوية من قبل الطرفين، والقائمة على محاولة فرض شروط كلية يقبلها الآخر لم تنجح ولا يمكن ان تنتج تسوية وهي تبقى على مستوى الخطاب حتى الان أكثر منه على مستوى الفعل. ويبدو ان الانسداد الحاصل وغياب الخيارات الأخرى وشعور طرفي النزاع بأن الصدام المفتوح سيكون مكلفا للجميع يساعد في اعادة التموضع نحو مزيد من المرونة دون خسارة ماء الوجه عبر صيغ دبلوماسية تبريرية وتمويهية، وهنالك اشارات اميركية وإيرانية خافتة وخجولة في اتجاه هذه المرونة.
ويبدو ان هنالك بداية مخرج لتبريد الأزمة ووضعها على سكة التطبيع التدريجي للعلاقات ولو بقيت آلية مصعد التوتر المتحرك مواكبة لهذه الحالة من التوتر الذي يشهد ارتفاعا وانخفاضا وجمودا.
تبدو هنالك بداية مخرج عن طريق المقترح الفرنسي بالتعليق المزدوج والمتزامن: تعليق الذهاب لمجلس الأمن لفرض العقوبات مقابل تعليق التخصيب طيلة فترة التفاوض الذي سيقوم على لعبة الأسئلة والأسئلة المضادة والإيضاحات المطلوبة هنا وهناك.
لكن يبدو ان المطلوب لإنجاح تسوية الملف النووي، عبر القبول بحق إيران في التخصيب مع نظام رقابة دولية شديد وحازم، ادراج هذا الملف في ما هو اشمل وهو ملف العلاقة الغربية الإيرانية وإحداث نوع من الربط المرن بين هذا الملف وملف الاعتراف بالمكانة الإيرانية في المنطقة والطمأنة المطلوبة من سلوكيات ايرانية مقابل هذا الاعتراف.
المطلوب ليس ما يعرف بالصفقة الكبرى التي تعني في «اللغة» الشرق أوسطية تقاسم النفوذ على حساب الآخرين واقامة يالطا شرق أوسطية فهذا من المستحيلات بسبب طبيعة العناصر الحاكمة لهذه العلاقة دوليا وإقليميا.
لكن المطلوب التوصل الى التفاهم الكبير حول المصالح الاستراتيجية وكيفية ادارة العلاقات بين الطرفين في الأزمات القائمة وفي المسائل التي تعني الطرفين ليمكن بناء الثقة التي تساهم تدريجيا في خلق المناخ المساعد لتسوية الملف النووي الإيراني.
وبقدر ما ان الغياب العربي مضر بالمصالح العربية والإقليمية للعرب بقدر ما ان بلورة موقف عربي فاعل على المستوى الاستراتيجي يمكن ان يساهم في تلافي احتمالات الصدام وسياسات التوتر المرتفع.
وفي بلورة تفاهمات يشارك العرب في صنعها مباشرة ولا يصنعها آخرون عنهم أو باسمهم. تفاهمات تنقل المنطقة من حالة الحرب الدائمة الى حالة السلم حتى لا يأتي أي سلم على حسابهم بل يكون لمصلحتهم.
كاتب لبناني