للأسف وبكل صراحة نعم، وللقارئ الخيار باستخدام كل من أصابع يديه وقدميه لإحصائها، أما تعريف الدولة الفاشلة فقد كتب ناعوم شومسكي في كتابه عام 2006 «الدول الفاشلة»، بأنها تلك الدول التي تتمثل فيها:

1- عدم القدرة أو الرغبة لتلك الدولة على حماية مواطنيها من العنف أو حتى من التدمير الكامل. 2- اعتقاد الدولة بأنها خارج نطاق القانون الدولي أو الداخلي مما يعطيها النزعة أو الرغبة لارتكاب العنف والقيام بالعدوان.

وهكذا فان القارئ إذا ما أخذ بالطرح أعلاه يتبين له ومن أول وهلة بأن كلاً من العراق ولبنان وفلسطين وحتى إسرائيل أعضاء في هذا النادي بطريقة ظاهرة وليست بمستترة كغيرها من الدول الأخرى، إن هذين المعيارين فاضحين ولا تستطيع الكثير من الدول الالتفاف عليهما، وخاصةً إذا ما تم توسيع مفهوم معيار «حماية مواطنيها» لتشمل المقاييس الاقتصادية والاجتماعية، فعندها ليحصي القارئ ولا حرج.

إن البحث عن تفسير شائع لفشل دولة يدعو إلى التطرق إلى الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبين الذي قام بتفسير العلاقة بين الدولة وجماهيرها ومواطنيها في كتابه عام 1895 «سيكولوجية الجماهير» كرد فعل على الثورات الشعبية التي مرت بها فرنسا أثناء الجمهورية الثالثة وخاصةً الرابعة ( حيث كانت الحكومة تنقلب كل شهرين أو ثلاثة)، فبإدارة الجماهير يرى لوبين أن قوة الحكم والحكام تؤدي كما هو معروف إلى استقرار النظام الاجتماعي، وانعدام هذه القوة يؤدي إلى الفوضى واختلال الأوضاع ( ترجمة وتقديم هاشم صالح - 1991).

ليس نحن هنا لمناقشة الظروف المحيطة لكتابات كل من شومسكي ولوبين، ولكن للاستفادة من الطرح الذي قدماه على الوضع المحيط بنا والانعكاسات الاجتماعية والسياسية التي نعيشها، فإذا ما تم دمج الطرفين فسوف نرى الدولة ومواطنيها من جهة والحكم والحكام من جهة أخرى، ان النقاط الأربع للمربع والتي من خلال عمق وقوة ارتباط بعضها البعض تأتي بالنتائج الكبرى كالاستقرار أو الفوضى والازدهار أو الفقر والتقدم أو التراجع.....

تكمن قوة وثقل المواطنين واضحة إذا ما تم عزل الدولة كهيكل قابل الذوبان والتغيير وهي شخصية اعتبارية مؤقتة كما هو حال الاتحاد الأوروبي الذي حاول ساسة الدول الأوروبية في تمرير الدستور للمواطنين الأوروبيين لإذابة الحدود بينها، ولكنه باء بالفشل تحت أقدام بعض مواطني تلك الدول الأوروبية، وهنا يتبين لنا أهمية المواطن في هذا المربع الذي يخضع لمدى نجاح أو فشل التحريض الذي يقوم به الحاكم (الحكومة).

بمعنى آخر لم يكن هناك تهييج كامل للشعوب الأوروبية لتمتزج مع بعضها البعض. المواطنون والجماهير مصطلحان مختلفان، المواطنون هم أفراد ينتمون لشرائح مختلفة من المجتمع كل منها لها رغبات واحتياجات مختلفة نسبياً، إما الجماهير فلها روح مقسومة التفكير العقلاني وتخضع لتحريضات متنوعة متعددة وتهيجها في خيال خال/ عار من كل البراهين (غوستاف لوبين ) إن هذا التهيج واللاعقلانية نتاج فترة زمنية مؤقتة وبعدها ترجع الجماهير إلى واقعها ليصبحوا مواطنين.

كما في السابق وليرو ماذا فعل بهم هذا التهيج وهذه الوعود من الحاكم والحكم، إن التجارب السلبية تؤدي بطبيعة حالها إلى الدولة الفاشلة وبالطبع تلك الايجابية ستعضد من مكانة الحاكم والحكم. وهكذا يتم تفسير الدولة الفاشلة بأن عدم تحقق وعودها وإغراءاتها الحماسية لمواطنيها يترتب عليه تفكك ذلك الارتباط وتصبح الدولة فاشلة خرقاء والعكس صحيح.

وهكذا فقد أثرا كل من شومسكي ولوبين مفهوم الدولة القوية والذي يكمن في قوة الحاكم والحكم ( الحكومة) واللذان إذا ما وفرا للمواطنين الوعود التي تحرض وتسحر خيالهم أصبحت دولتهم قوية وهناً يتساءل المرء ما هذا التحريض وعناصرهٌ وما هي نتائجهٌ.....؟

مستقبل الترتيب الجديد

إن الترتيب القديم وكما هو معرف قام بزرع كيانات ( نظم ودول) مختلفة في المنطقة العربية والذي أتى بزوال الدولة العثمانية (الناجم عن سقوطها عند تحولها إلى دولة فاشلة) وفي انتهاء الحرب العالمية الثانية وبانتهاء الحرب الباردة (الحرب العالمية الثالثة) أصبحت الكثير من الكيانات في المنطقة العربية لا تستطيع تلبية الأمن والسلام لمواطنيها والاستقرار الاستراتيجي الدولي مما يجعلها عرضة للسقوط، فالترتيب الجديد يملي بأن هذا السقوط المرتقب ليس له اطار زمني، فنحن ربما نعيشه ومنجرفون نحو ترتيب جديد لا علم لنا به.

تملى الظروف الاستراتيجية الدولية والإقليمية من وقت إلى أخر على وضعية مختلفة على الدولة أو الدول، فقد كان للتحريض الجماهيري الأثر الكبير في القرن العشرين حيث هز عروشاً في أوروبا وكانت لكلمة «القومية العربية» للرئيس الراحل جمال عبدالناصر نفس الأثر على العالم العربي، وعليه فإن الترتيب الجديد لا يشترط أن يكون احتكاراً أجنبياً.

إن الترتيب الجديد لا يقوم على أنقاض التدمير الشامل أو التركيبة الطائفية أو الطرد العرقي، إنما يأتي برسالة واحدة، ببرنامج اقتصادي واجتماعي واحد، بقائد واحد، بإدارة مركزية للوصول لهدف واحد، أن تحريض الجماهير برسالة تهيجه، تثير أحلامهُ قادرة على لعب الدور الكبير لتخطي الحواجز - الحدود الدولية وربط الشعوب مع بعضها البعض للوصول وتحقيق الهدف النهائي.

وبهذا يأتي الترتيب الجديد ليس على خلع نظام أو نشر الديمقراطية والحرية، بل لإعطاء المنطقة العربية الأمن والاستقرار الذي يتطلبه السلام العالمي.

نعم الترتيب القديم بما فيه إسرائيل فاشل، ولكن ما هو الترتيب الجديد؟ هل هذا الدمار الذي يدور حولنا لدفن القديم وإخراج الجديد؟ وهل سيكون هناك تحريض جماهيري جديد وعلى ما سوف يدور؟