لا تحتاج حكومة الوحدة الوطنيّة إلى من يكسِّر مجاديفها ليضعها في دواليب مراكبها المترددة في الإقلاع، إذ يبدو أن ربابنتها القادمين يتولّون المهمّة، دون حاجة إلى عوائق خارجيّة في هذا المجال، لا يتردّد الأعداء في التنقيب عنها.
فسفينة الحكومة الموعودة، ما زالت في مكانها، تستعصي على الإبحار في رحلة الإنقاذ، تارة للعوائق الصخريّة التي تضعها أميركا وإسرائيل أمامها، وتارة للاختلاف على اتجاه الريح التي ستسير على هديها، أو على ربابنتها الذين سيحملوننا إلى برّ الأمان!.
لا أريد أن أسهم في تكسير المجاديف المُكسّرة أصلاً قبل أن أحرِّك فأرتي الالكترونيّة لأقول كلمتي وأستغفر الله لي ولكم. لكنني أريد أن أستغل مساحتي لأعبِّر عن تشاؤم العقل الذي يعتريني، فلا يرى في مثل هذه الحكومة الحلّ الأمثل. إذ يبدو أن المسألة في جوهرها ليست مجرّد رمانة، وإنما قلوب ملآنة!
من حقّ تنظيم "حماس" أن يرفض الاعتراف بإسرائيل، ولا أبالغ إن قلت إن الأمر من واجبه، فهو بذلك يُعبِّر عن قطاعٍ كبير من أبناء الشعب الفلسطيني، إن لم يكن القطاع الأكبر( يسعدني ويُشرّفني أن أكون فرداً من هذا الجزء الرافض من أبناء شعبي الذي يمارس بذلك أضعف الإيمان، ونوعاً من أنواع الجهاد). أمّا المطلب الإسرائيلي الأميركي السمج بشرط اعتراف الحكومة القادمة بإسرائيل ونبذ العنف، فهو يستدعي السؤال: هل اشترطت اتفاقيات أوسلو على الفلسطينيين أن يجددوا الاعتراف بإسرائيل كلما دقّ الكوز في جرّة حكومة جديدة؟ وهل هناك بند سريّ تسرَّب من تحت عيوننا يقضي بتجديد اعترافنا بجلادنا مع أناشيد الصباح المدرسيّة؟ ولماذا لا تُجدد إسرئيل اعترافها بمنظمة التحرير الفلسطينيّة كلّما هلّت علينا وجوه جديدة، أبشع من سابقتها، لتجلس على قمّة السلطة هناك وتؤذي عيوننا المُسمّرة على شاشات التلفزيون؟.
وهل أصبحت مُفردة "العنف" تشير إلى الكف التي تقوى على ملاطمة المخرز، ثمّ تتنكّر لمعناها الحقيقي الذي تنبذه القيم البشريّة، حين يشير إلى بطش السلاح الفتّاك الذي تمارسه أميركا وإسرائيل على الشعوب العربيّة والإسلاميّة.. بلا حدود؟.
أسئلة من المفترض أن تكون مشروعة، ولكنها تبدو ساذجة في ظلّ غياب أيّة شرعيّة، سياسيّة أو فكريّة أو أخلاقيّة، حتّى شرعيّة السؤال: من القاتل ومن القتيل؟ من يُمارس العنف ومن يتلقّاه؟
في مثل هذا الواقع، لا أحد من الربابنة القادمين يلتفت إلى التخوُّف الذي يُبديه المواطن الفلسطيني من عدم نجاح الفصائل والتنظيمات الفلسطينيّة المعنيّة في تشكيل حكومة الوحدة الوطنيّة، وهو التخوف الذي يعني أن ثمّة رهاناً شعبياً على هذا المشروع، يشبه رهان الغريق بالعثور على قشّة طائشة يتعلّق بها.
ومع أننا نتمنى لتشاؤمنا أن لا يكون في مكانه، وأن تكون حكومة الوحدة الوطنيّة، إذا ما أتيح لسفينتها أن تُبحر، قادرة على اجتراح المعجزات التي لم يأتِ بها الأوائل: من حلّ مسألة اللاجئين وإنجاز حق العودة، مروراً بعودة القدس إلى أصحابها الشرعيين لتكون عاصمة أبديّة لدولتنا العتيدة، وحتّى اجتراح مُعجزة عودة الرواتب. إلا أن ما نراه ونسمعه من تصريحات متضاربة في حرب الأخوة الأعداء، يُسهم في تكريس تشاؤمنا. فالكفاءات هي آخر ما تفكِّر به حكومة الكوتا الفصائليّة القادمة، وإلاّ فما الذي يمنع من وجود وزيرين كفؤين قادمين من كتلة صغيرة في البرلمان، لا ثالث لهما فيه؟.
لن ندخل في تفاصيل الخلاف بين الكتلتين الأكبر في المجلس التشريعي وفي الشارع الفلسطيني، فمسؤوليّة الخروج من المأزق تقع على الجميع. لكننا نكتفي بالإشارة إلى "حماس"، التي تتولى الحكومة بمفردها حتّى الآن، فهي ما زالت تُربكنا في خطابها الذي لا نتبيّن فيه الحدّ الرهيف بين الخيط الأبيض والخيط الأسود. ويبدو أن مصدر التناقض يكمن في أن هذه الحكومة تقوم، من حيث الأصل، على قاعدة اتفاقيات تعترف بإسرائيل دون لبس، فيما الحكومة نفسها لا تعترف بمثل تلك الاتفاقيات.
بمعنى آخر، فإن التناقضات والارتباكات الحكوميّة الحاليّة مصدرها التناقض الأساس بين ثابت "حماس" ومتحوِّلها. فلا "التلاعب بالألفاظ" يُقنعنا نحن الذين نقف معها في ثوابت عدم الاعتراف، ولا "الاعتناء بالألفاظ" يُسعفنا في الدفاع عن مواقفها المبدئيّة في هذا الصدد، ولا "انتقاء الكلمات" بقادرٍ على إخراجها من مأزق السُّلطة التي زجّت نفسها فيه.. وبالتالي إخراج الشعب بجموعه من المأزق.
وإلا فكيف يشرح لنا السيد رئيس الوزراء الفوارق الهشّة بين "التعامل" مع الاتفاقيات الفلسطينيّة ـ الإسرائيليّة، مع التشبُّث والتشديد على "عدم الاعتراف" بها؟.
المسألة تُذكرنا بتردد إحدى الدول العربيّة عن الاعتراف بإعلان الدولة الفلسطينيّة عند إشهاره العام 1988، قائلة إنها "تؤيِّد" إعلان الدولة الفلسطينيّة، ومبرِّرة ذلك بالقول: إن التأييد أقوى من الاعتراف!
صديق مصري لم يُعلّق على ذلك، واكتفى باستثمار خفّة الظلّ المعهودة قائلاً: أنا أؤيِّد دعوتكم إلى العشاء.. والتأييد أقوى من الدعوة!.
فأيهما الأقوى، التعامل مع الاتفاقيات، أم الاعتراف بها؟!
فــاروق وادي