لا نحتاج الى القول بأن السعودية لها مكانة خاصة كبيرة لدى كل عربي ومسلم. هذه المكانة ليست فقط لأسباب دينية، ولكن ايضا بسبب الدور المحوري الذي تلعبه السعودية في العالمين العربي والاسلامي، وعلى الصعيد العالمي بصفة عامة. لهذا، تحظى التطورات التي تشهدها السعودية على الصعيد الداخلي وعلى صعيد دورها الخارجي دوما بمتابعة واهتمام شديدين عربيا واسلاميا وعالميا. ذلك ان ما يحدث في السعودية إن ايجابا او سلبا لا يقتصر تأثيره على المجتمع السعودي وحده،
وإنما يمتد الى العالم العربي والاسلامي والعالم عامة. واليوم تحتفل السعودية باليوم الوطني. ولا شك ان أي متابع للتطورات التي شهدتها السعودية في العام الماضي على الاصعدة الداخلية والخارجية سوف يرصد ملامح نهضة مستمرة وخطوات كبيرة تم قطعها على طريق الإصلاح والإعداد للمستقبل الأفضل. ينطبق هذا سواء على صعيد التطور والاصلاح الاقتصادي، أو على صعيد الاصلاح السياسي، أو على صعيد الدور الخارجي. لا يتسع المقام هنا بالطبع للحديث تفصيلا عن التطورات وأوجه التقدم التي شهدتها السعودية على هذه الاصعدة الثلاثة، لكن نشير فقط الى توجهاتها العامة وأبرز ملامحها. فعلى صعيد التطور والاصلاح الاقتصادي، شهد العام الذي مضى بعضا من الخطوات الكبرى نحو تعزيز الازدهار الاقتصادي والانفتاح الاقتصادي على العالم.
ويكفي هنا ان نشير الى الخطط الطموحة لاستغلال الارتفاع الذي حدث في اسعار النفط وما وفره من فوائض مالية لطرح عشرات المشاريع، لا مجال لذكرها، هدفها الارتقاء بالمستوى المعيشي للمواطنين والنهوض الاقتصادي بصفة عامة. وشهد العام أيضا انفتاحا أكبر في السعودية على الاقتصاد العالمي وخصوصا مع انضمام السعودية الى منظمة التجارة العالمية، وما ارتبط بذلك من سياسات لجذب الاستثمارات الاجنبية الى قطاعات اقتصادية اساسية. وجاء قرار إنشاء مدينة الملك عبدالله الاقتصادية باستثمارات تبلغ نحو 27 مليار دولار كخطوة كبيرة تجسد التوجه الانفتاحي الجديد ومخططات جذب الاستثمارات والانفتاح على العالم. وارتبطت بهذا برامج وخطط طموحة لاصلاح سوق العمل في السعودية وعلاج مشكلة البطالة وحل المشاكل المرتبطة بعمل المرأة السعودية بالذات.
أما على صعيد الاصلاح السياسي في السعودية، وهو الموضوع الذي اصبح في السنوات الماضية موضع جدل واسع كبير في داخل المملكة وخارجها، فمن المهم بداية ان نشير الى ان العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز قد حرص في خطب وأحاديث كثيرة على ان يطرح بوضوح رؤيته في هذا المجال وتصوراته للاصلاح والطريق اليه. وهي رؤية يمكن تلخيصها في جوانب ثلاثة محددة: أولا: ان الاصلاح هو من حيث المبدأ ضرورة اساسية، وان المضي في الخطوات الاصلاحية الى الأمام هو قرار لا رجعة عنه. ثانيا: ان الاصلاح من حيث التوجه والمضمون العام ينبغي ان يواكب بداهة العصر والتطورات التي يشهدها العالم بكل ما يفرضه ذلك من تحديات. ثالثا: ان الاصلاح ينبغي ان يكون بشكل متأن ومتدرج مدروس بما من شأنه مراعاة خصوصية المجتمع السعودي ومرحلة التطور التي يمر بها والتحديات التي يجابهها. في إطار هذه الرؤية العامة للاصلاح، شهدت الاشهر الماضية عدة خطوات على طريق الاصلاح السياسي.
كان ملفتا بداية، حرص الملك عبدالله على ان يفتح شخصيا قنوات حوار مباشر مع مختلف القوى ومع ابناء الطوائف المختلفة في السعودية، وان يستمع مباشرة الى ارائهم وتصوراتهم ومطالبهم. وجرت في فبراير الماضي ثاني انتخابات لغرف التجارة السعودية بمشاركة سيدات أعمال. غير أن من اهم الخطوات الاصلاحية في تقديرنا تظل هي تجربة الحوار الوطني الذي ينظمه مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني. في ديسمبر الماضي، عقد اللقاء الوطني الخامس وناقش قضية في غاية الاهمية هي التعامل مع الآخر والرؤية الوطنية للتعامل مع الثقافات العالمية، وانتهى الى طرح ملامح عامة لهذه الرؤية الوطنية.
وحاليا تجرى حوارات واسعة النطاق في كل أنحاء السعودية ومناطقها استعداداً للحوار الوطني القادم الذي موضوعه هو «واقع التعليم في المملكة ودراسة سبل واساليب تطويره«. هذه الحوارات الوطنية يشارك فيها المئات من المختصين والخبراء في شتى المجالات. وحين نقول إن تجربة الحوار الوطني هذه هي من اهم الخطوات على طريق الاصلاح، فذلك لانها تناقش قضايا الاصلاح الجوهرية بتوسع وروية وبمشاركة الجميع بما من شأنه ان يترجم رؤية الملك عبدالله في الاصلاح المدروس المتأني والتدريجي.
أما على الصعيد الخارجي، فلسنا بحاجة الى الحديث تفصيلا عن الدور الرائد الذي تلعبه السعودية في الإطار العربي والاسلامي والعالمي. لكن الاشهر الماضية شهدت حدثين لا بد من التنويه اليهما. الحدث الأول، هو القمة الاسلامية التي عقدت في مكة المكرمة في ديسمبر عام 2005 بدعوة من الملك عبدالله، والتي تم اعتبارها بمثابة صفحة جديدة في العمل الاسلامي المشترك وتطويره. والثاني، الجولة التاريخية التي قام بها الملك عبدالله الى دول شرق آسيا والتي شملت الصين والهند وماليزيا، وباكستان أيضا.
هذه الجولة تم اعتبارها عن حق تعبيراً عن توجه جديد بتنويع علاقات المملكة الدولية اقتصاديا وسياسيا وتوثيقا للعلاقات مع قوى دولية كبرى خارج اطار العلاقات مع الغرب. لاشك ان هذه الخطوات التي قطعتها السعودية على الاصعدة الداخلية والخارجية على هذا النحو تعتبر خطوات مهمة على طريق التطور والإعداد للمستقبل الافضل.
وبالطبع، من المفهوم انه أيا كانت خطوات الإصلاح والتطور والتقدم السياسي والاقتصادي والاجتماعي، تظل الطموحات والمطالب الشعبية اكبر منها، ويظل شعب المملكة يتوقع المزيد. لكن المهم ان عملية التطوير والاصلاح ماضية الى الأمام ولا تتوقف. والأمر الذي لا شك فيه ان الانجازات التي تحققها السعودية داخليا وخارجيا هي في نفس الوقت انجازات عربية واسلامية عامة. ذلك ان استقرار السعودية ونهضتها وقدرتها على مواجهة التحديات الخارجية هي مصلحة عربية وإسلامية بقدر ما هي مصلحة سعودية.
أنور عبدالرحمن