يعتبرالإجتماع الفريد من نوعه والذي جاء بمبادرة أطلقها جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين خلال الدورة الماضية للجمعية العامة للأمم المتحدة من أجل وضع آلية للتعاون بين الدول المتوسطة والمتدنية الدخل حدثا على قدر كبير من الأهمية لأنه يؤسس كذلك لتفاهم عالمي يعيد التوازن للعلاقات الدولية التي إختلت بسبب العولمة وما أحدثته من خلل في الإقتصاد العالمي لغير صالح تلك الدول .

وهذه المبادرة لا تشكل إعتراضا ولا تيارا معاكسا للعولمة وإنما هي من أجل أن يقوى الضعفاء من خلال شراكة ما بينهم وما بين الدول القوية أو المانحة بحيث يتعزز مفهوم الإصلاح والنمو عن طريق حل المشاكل المتشابهة مثل الدين الخارجي والفقر والبطالة وإرتفاع أسعار السلع الأساسية وخاصة النفط ، فالغاية هي ضمان عدم التراجع إلى الخلف أمام تلك الضغوط بل والتقدم إلى الأمام بوساطة التعاون القوي وحسن التعامل مع الدول المانحة ومع الأسواق العالمية عندما تتمكن الدول الأعضاء التي لن تقتصر على عدد تلك المجموعة من تطوير قدراتها الإنتاجية وأخذ نصيبها من التجارة الدولية .

وقد جاء خطاب جلالة الملك أمام أول إجتماع للمجموعة موضحا الفكرة والوسيلة والهدف ، وأظهر قادة وممثلو الدول الأعضاء فهمهم المشترك للمبادرة وحاجتهم لتحقيق مصالح دولهم من خلال المقترحات التي تم التداول حولها ، وكان الإقرار بأهمية الإصلاحات الداخلية على صعيد كل دولة على حدة وليس إلقاء اللوم على أي جهة أخرى بمثابة مواجهة للحقائق وإعتراف بالواقع الذي يحتاج إلى التغيير ، والإستفادة من تجارب بعضها البعض وعدم تكرار الأخطاء التي حدثت أثناء التطبيقات لبرامج الإصلاح في بعض الدول الأعضاء .

ولعل النقطة التي تستحق المتابعة والتنسيق تكمن فيما ذهب إليه بعض الأعضاء من ضرورة التحدث إلى التجمعات الدولية بلغة مشتركة ، فتلك الجماعية التي غابت عن المفاوضات مع منظمة التجارة الدولية مثلا جعلت الحمل ثقيلا والشروط مجحفة ، وبالتالي فإن التفاوض الجماعي في القضايا المتماثلة تجعل المعالجة أوسع وأشمل وتضفي على العولمة بعدا ايجابيا تستفيد منه البشرية جمعاء .

لا شك في أن الشراكة بين الدول ضعيفة الدخل ومتوسطة الدخل يمكن أن تقرب المسافات بينها بشكل أفضل مما هو عليه الحال مع الدول الغنية ، فعامل التقارب والتشابه يجعل الحلول منطقية وموضوعية وممكنة ، وتتيح فرصة أفضل للتقدم الطبيعي بدل التناقض الذي أحدثته الخبرات والمشورات الآتية عن طريق الهيئات والصناديق المرتبطة بمنهج الدول المانحة لعمليات التغيير والتحديث نتيجة تطبيق النماذج الجاهزة في قطاع دون قطاع ، وعدم أخذ كثير من الإعتبارات الثقافية والإجتماعية في الحسبان .

من الضروري التوقف عند مسألة أن تأتي المبادرة من عندنا لأننا في هذه الحالة مطالبون بصياغة مساهمتنا في هذا التنسيق المشترك من خلال قدرتنا على إثبات قدرتنا على تطبيق ما نقترحه على أنفسنا أولا ، وإذا كانت نقطة الإرتكاز هي الإحترام الذي يحظى به جلالة الملك في الأوساط الدولية ولدى قادة الدول التي إستجابت للمبادرة فإن قاعدة التأثير على أرض الواقع تكمن في الإستجابة هنا على أرض الأردن لتطلعاته ومبادراته المتواصلة من إحداث التغيير الذي يفتح للأردنيين أبواب المستقبل على نجاحات وإنجازات ملموسة .