توقفت الحرب في شقها العسكري بين إسرائيل والمقاومة اللبنانية بينما لم تتمكن إسرائيل من انجاز كل ما كانت تنوي تحقيقه ميدانيا. تلك هي النتيجة التي ليس حولها اختلاف كثير بين المراقبين.
ولكن ذلك ليس هو نهاية المطاف بل لعله البداية فبالنسبة لإسرائيل وقوى الغرب التي تقف معها لا تعتبر نتائج الحرب هو ما تحقق على الأرض في اللحظة التي صمتت فيها المدافع بل تلك التي سيتم انجازها من خلال تداعيات الوضع اللبناني والعربي دون مزيد من الخسائر العسكرية الإسرائيلية ودون مزيد من المواقف السياسية العلنية المحرجة للغرب .
إن تقييم الحرب ليس دائما بنتائجها العسكرية بل بما يحققه كل طرف من نتائج سياسية على المدى البعيد.
صحيح أن إسرائيل لم تتعود على هذه الكيفية في حصد النتائج الايجابية لأفعالها العسكرية وإنما تعودت أن لا تتوقف آلتها العسكرية حتى تسقط كل الثمار السياسية لحربها على مائدة الإملاءات فلا يحتاج سياسيوها لأكثر من تقديم لائحة بتفاصيل ما يريدون ولكن في هذه المرة لأسباب متعلقة بحسابات الصراع الميداني وأخرى لها علاقة بظروف الساحة اللبنانية والدولية وجدت إسرائيل نفسها مضطرة لتجريب طريقة أخرى لجني ثمار حرب توقفت ميدانيا قبل أن تؤتي أكلها المأمول منها.
لاشك أن النتائج المتوخاة من الحرب لم تكن أهدافا إسرائيلية فقط، بل أيضا مطالب متعلقة بإستراتيجية القوى الغربية الفاعلة في المنطقة إلى جانب مصالح متواضعة لبعض الأنظمة العربية متعلقة ببقائها واستمراريتها.
فالعمل على تحقيق ما تبقى من أهداف بعد توقف العمليات العسكرية ليس هما إسرائيليا فقط، بل هو الشغل الشاغل لهذه القوى جميعا بالنسبة للمنطقة غير أن الولايات المتحدة والغرب هم أصحاب المصلحة الكبرى وهم الذين يقودون المخطط بينما تبقى الأطراف الأخرى متعاونة حسب حجم مصالحها التي لا تتعارض مع استراتيجية المخطط ولهذا عندما تعثرت العمليات العسكرية الإسرائيلية.
ولم تنجز ما اعتادت على انجازه رغم إعطائها فسحة واسعة من الزمن قررت الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى استخدام بدائل أخرى لتحقيق المطالب التي كانت متوخاة من الحرب فطلبت من إسرائيل إيقاف عملياتها العسكرية، ولعلها أيضا سمحت بانعقاد مؤتمر وزراء الخارجية العرب الذين - على ما يبدو - ما كانوا ليستطيعوا الدخول إلى الأجواء اللبنانية لولا قبول واتفاق واضح وصريح .
لعل أهم البدائل لتحقيق الأهداف المطلوبة هو المراهنة على الوضع اللبناني في حالة ما إذا استجاب بقصد أو بغير قصد إلى ما يجرى استدراجه إليه. فحسب ما بدا يتضح من تسيير لدفة الأحداث أن أهم هذه الوسائل هو التلاعب بالوضع الطائفي من داخل الدائرة الإسلامية، فلعبة السنة والشيعة أثبتت مصداقيتها كمتغير يؤثر في الأحداث من خلال التجربة العراقية.
ولذا فإن إعادة إنتاج التجربة بشروط ومواصفات أخرى في لبنان تبدو أمرا جديرا بالمحاولة، فالمقاومة التي يقودها حزب الله تم تصنيفها إعلاميا وسياسيا من قبل الغرب تحت اسم حزب الله دون أن تلحق به صفة المقاومة أو صفة اللبنانية.
وذلك أيضا ما تبنته كل الأنظمة السياسية العربية التي رأت من مصلحتها أن تلصق بحزب الله تهمة التبعية لإيران هذا إلى جانب عوامل أخرى تزيد من فرصة توظيف هذا المتغير فالنظرة إلى المقاومة المسلحة وهى على الخط الأول المواجه لإسرائيل ليست هي ذاتها عندما تكون المقاومة تحمل سلاحها في الداخل اللبناني مهما بلغت انضباطيتها وهذا ما كانت كل القوى حريصة على تحقيقه من خلال إصرارها على نشر الجيش اللبناني على الخطوط الأولى في الجنوب لتبقى المقاومة في المناطق الداخلية عرضة للاستفزاز من قبل الفرقاء الآخرين.
ومصدر استفزاز لهم فيسهل هذا الوضع المهمة أمام من يريد أن يشعل شرارة الاحتكاك في ظل أجواء التنافس والاختلاف والاتهامات والحروب الكلامية ورغم أن تجربة الحرب الأهلية اللبنانية المريرة لاتزال ماثلة في اذهان الجميع وتشكل كابحا أمام مغريات الانزلاق إلى تجربة أخرى إلا إن تنمية روح العداء والتحريض ومبادرات العنف الفردي تؤدي جميعها إلى خلق أوضاع يصعب السيطرة عليها.
فالمقصود هو خلق حالة من العداء لظاهرة المقاومة ونزع الشرعية والوطنية عنها وجعلها مجرد فصيل طائفي يقاتل من اجل إثبات وجوده بين الطوائف الأخرى فتضعف بذلك المقاومة وتكف عن التحرش بإسرائيل وكشف عوراتها وتقلع عن التطاول على استراتيجية الغرب الراسخة منذ اتفاقيات سايكس بيكو .
أما في حالة استعصاء الوضع اللبناني على مثل هذه المغريات فإن البيئة المحيطة قادرة على تزويده بعناصر تساهم في دفع الأوضاع إلى حالة يمكن أن تسهل عملية الانزلاق، فالأنظمة العربية التي رأت من مصلحتها كأنظمة حاكمة أن ترتدي جبة السنة تستطيع بطلب من الغرب وعبر ساحات مفتوحة كالعراق وأفغانستان أن تساهم بفاعلية في عملية التلاعب بالنسيج الطائفي وتزويدها بكل عناصر إشعال الفتيل عن طريق التمويل وغض البصر وتسهيل حركة كل من يتوهم انه ذاهب إلى نوع من الجهاد لنصرة مذهبه هناك .
ذلك ما يمكن ان تساهم به بعض الأطراف الإقليمية العربية في إطار هذا المخطط في حالة اعتماده نهائيا من قبل الغرب كوسيلة وبديل عن الفشل العسكري الإسرائيلي عن تحقيق كل ما كان مطلوبا منه ميدانيا.
لعله ليس من مصلحة هذه الأنظمة تفجير حرب أهلية في لبنان لأنها لن تظل محصورة هناك بل ستصبح امتدادا للحالة العراقية إلى الغرب والى الجنوب من خريطة المنطقة ولكن القرار ليس بيد هؤلاء فإذا ما حزم الغرب أمره فلن يكون بوسعهم للمحافظة على بقائهم سوى المشاركة مثلما شاركوا في مخططات سابقة كانت عقابيلها اشد وبالا ودمارا على شعوب المنطقة بينما خرجوا هم منها سالمين.
كاتب ليبي ..جامعة بنغازي