منذ 41 عاما في فيتنام الجنوبية شاهدت لأول مرة إدارة أميركية تبدأ في سرد الأكاذيب بشكل مستمر ومقنع لدرجة أن المسؤولين بدأوا يصدقون ما يرددونه في الحرب الدعائية.
لقد كانوا من وراء تلك الأكاذيب يحاولون إقناع الشعب الأميركي والعالم بأن الأمور تسير بشكل جيد في نوع جديد ومختلف من الحروب البعيدة عن الوطن.
في البداية كانت الأكاذيب صغيرة حيث كانت تتعلق بمن يقاتل وأين يذهب عندما ينتهى القتال.
في البيت الأبيض إبان حكم الرئيس الأسبق ليندون جونسون، تمثل الموقف الرسمي للدولة في القول إن حربنا كانت ضد عصابات الفيتكونغ المحلية في فيتنام الجنوبية، وأنه لم يكن هناك أي طرف آخر في المعركة، وبالتالي لم تكن هناك حرب واسعة. كان هذا الأمر صحيحاً في الأشهر الأولى القليلة للحرب بعد أن هبطت طلائع القوات الأميركية في دانانغ في مارس 1965.
ولكن في خريف ذلك العام، وبالتحديد في نوفمبر، وفي وادي أيا درانغ البعيد في الهضاب الوسطى الفيتنامية، اشتبكت كتائب اللواء الثالث للوحدة أولى مشاه الأميركية بشكل مباشر مع ثلاثة فيالق من الجيش الشعبي لفيتنام الشمالية.
وخلال أربعة أيام من القتال الوحشي قُتل 234 جنديا أميركيا ووصل عدد القتلى بين الفيتناميين إلى ما بين 1200 و 1500.
وعندما تراجعت حدة القتال، هرب «الفيتناميون الشماليون» عبر الحدود القريبة واختبأوا في أدغال كمبوديا. غير أن التعليمات كانت واضحة بأن يتم تجاهل أي ذكر أثناء المؤتمرات الصحافية لحقيقة أن العدو هرب إلى كمبوديا، و كذلك بأن تحل كلمة «عصابات الفيتكونغ » محل كلمة الفيتناميين الشماليين في أي نص خطاب صحافي أو شعبي.
بعد مرور أعوام عديدة ذهب الضباط الذين خاضوا تلك المعركة ليحصلوا على شهادات الخدمة المتميزة تقديرا لما قدموه أثناء الحرب و فوجئوا بما رأوه على تلك الشهادات، حيث كُتب أنهم قاتلوا في معركة ضد عصابات الفيتكونغ وهو الأمر الذي لم يكن يمت للحقيقة بأي صلة.
بعد ذلك بأشهر قليلة، ظهر ليفتنانت جنرال ستانلي لارسن، الذي قاد أحد الفيالق الأميركية في تلك المعركة في مؤتمر صحافي بطلب من البنتاغون. وعندما سُئل: أين ذهب العدو بعد معارك أيا درانغ، أجاب لارسن بالقول: «إلى كمبوديا من أجل الراحة وإعادة التأهيل».
وخلال ساعات ظهر وزير الدفاع الأميركي حينها روبرت إس ماكنمارا ووزير الخارجية دين راسك في مؤتمرين صحافيين لينفيا كل ما جاء على لسان لارسن أثناء مؤتمره الصحافي، وليؤكدا على أنه لم يكن هناك أي وجود للقوات الفيتنامية الشمالية و أن الجنود الأعداء لم يذهبوا قط إلى كمبوديا، التي كانت على حد زعمهم دولة محايدة في تلك الحرب.
هناك درس أخلاقي يجب تعلمه من تلك القصة ألا وهو عدم الكذب عندما تنشد دعم الشعب الأميركي لأمر في خطورة و أهمية الحروب. لا يجب أبدا أن تجعل الحقيقة الضحية الأولى للحرب. لا يمكنك أن تبني أساساً متيناً على نسيج من الأكاذيب. لقد كتبت هذه السطور في أسبوع علمنا فيه من خلال الصحف أن المتحدثين بأسماء الجهات العسكرية و المدنية الأميركية أخذوا يتفاخرون بأن العمليات العسكرية الأميركية في العراق تنتج عنها خسائر تقل بنسبة 50% عن الخسائر العراقية الناتجة عن العنف الطائفي وذلك لأنه تم تغيير الطريقة التي يتم بها إحصاء عدد القتلى.
لقد توقف الأميركيون عن إحصاء عدد القتلى من العراقيين الذين يموتون في حوادث تفجير السيارات و بقذائف الهاون و بالمواد المتفجرة. إنهم يحصون فقط عدد الذين يقتلون مباشرة على أيدي ميليشيات العصابات التي تتجول في الشوارع، وهو التغير الذي أهمل هؤلاء المتحدثون ذكره بشكل أو بآخر.
إنني أكتب هذه السطور في أسبوع أوضحت فيه لجنة الاستخبارات العسكرية في مجلس الشيوخ الأميركي بشكل لا يقبل الشك أن الدكتاتور العراقي صدام حسين ليست له أي علاقة بتنظيم القاعدة أو بأي منظمة إرهابية أخرى و ذلك على الرغم من أن هناك قادة مدنيين ما زالوا يلمحون بل و يدّعون بكل جرأة أنه كانت له علاقة وثيقة بها. والأمر ذاته ينطبق على أكذوبة أسلحة الدمار الشامل في العراق.
إن نتائج تلك المحاولات الرامية إلى التلاعب بالشعب متوقعة بشكل محزن. فالشعب الأميركي يقف الآن ضد الحرب في العراق. والإدارة غير مستعدة للاعتراف بالحقيقة لدرجة أنها لا تستطيع حتى التعرف عليها ولا حتى تأتي بخطط للتعامل معها. و هؤلاء الذين كانوا حلفاءنا و أصدقاءنا والذين سئموا الأكاذيب التي رُوجت بشأن العراق، لا يصدقون الآن الأكاذيب ذاتها التي تُقال عن إيران.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز»
خاص لـــ «البيان»