كيف يرد المثقفون العرب المقيمون في فرنسا على الهجوم على الإسلام؟ سوف نختار من بينهم شخصاً لمع نجمه في السنوات الأخيرة ولا يزال: انه الجزائري مالك شبل الأستاذ المحاضر في العديد من الجامعات الفرنسية والأوروبية والأميركية. كما انه صاحب الكتب الشهيرة عن الإسلام: كالإسلام والعقل، وبيان من اجل إسلام التنوير، وقاموس محب للإسلام الخ...

وبالتالي فمن أفضل منه للرد على بابا روما الذي تورط في التهجم على الإسلام كما لو على الرغم منه؟ يقول مالك شبل ان علاقة الإسلام بالعقل كانت وطيدة إبان العصر الذهبي من عمر الحضارة العربية الإسلامية. وبالتالي فلا يمكن بأي شكل القول ان الإسلام ضد العقل.

والدليل على ذلك هو ان كبار مفكري المسيحية الأوروبية كانوا تلامذة لفلاسفة المسلمين الكبار. نضرب عليهم مثلاً القديس توما إلا كويني في الجهة المسيحية وابن ميمون في الجهة اليهودية وآخرين عديدين.

فهؤلاء لم يستطيعوا التوصل إلى الفلسفة اليونانية إلا بفضل العرب. كلهم كانوا تلامذة لابن رشد وابن سينا والفارابي وابن الطفيل وابن باجة الخ... ولولا الترجمات التي مولها خلفاء المسلمين المستنيرين في بغداد والأندلس لضاعت الفلسفة الإغريقية ولما حصلت النهضة الأوروبية لاحقاً.

ولكن مأساة المسلمين هي أنهم تخلوا عن العلم والفلسفة بعد الدخول في عصر الانحطاط أي بعد موت ابن رشد مباشرة عام 1198، عندئذ مات العصر الذهبي عندنا وانتقلت الحضارة إلى أوروبا. ويرى مالك شبل ان سقوط الأندلس عام 1492 أدى إلى نهاية المشروع الإسلامي المبني على العقلانية. فبعد ذلك التاريخ لم يعد المسلمون يهتمون باكتشاف الطبيعة كما كانوا يفعلون سابقاً.

ومات لديهم الفضول العلمي والفلسفي واخذوا يجترون المقولات الفقهية القديمة وخرجوا من التاريخ كلياً. وعندئذ حلت محلهم أوروبا التي ظلت العقلانية لديها متصاعدة دون انقطاع حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم من تقدم وازدهار..

وبالتالي فان النقد للإسلام لا ينطبق إلا على عصور الانحطاط وليس على العصر الذهبي للعرب والمسلمين. وبما ان محاضرة البابا كانت متركزة على العلاقات بين الدين والعقل عبر تاريخ المسيحية كلها فقد كنا نتمنى لو انه أشار إلى انجازات المعتزلة في هذا المجال.

فقد كانت شغلهم الشاغل، وقد حاول المعتزلة عقلنه الإيمان قبل المسيحيين بكثير. ولكنهم هزموا في نهاية المطاف للأسف الشديد ولم تقم لهم قائمة بعد الدخول في عصر الانحطاط والتكرار والاجترار. بل وحتى الفقه الإسلامي لم يتشكل إلا بناء على القياسات العقلية.

وبالتالي فالمسلمون الأوائل كانوا يهتمون بالعقل على عكس المسلمين الأواخر. ويمكن القول ان موسوعة إخوان الصفاء ساهمت في تقدم العلوم الطبيعية والكيميائية والرياضيات الخ.

ولكن يبقى صحيحاً القول ان العلوم العقلية وكذلك الفلسفة انهارت في العالم العربي والإسلامي بعد القرن الثالث عشر وحتى القرن التاسع عشر. وربما لهذا السبب توهم البعض ان الإسلام لا علاقة له بالفلسفة. فمن كثرة ما حصل الطلاق بين الطرفين توهمنا بأنها لم توجد قط! وهذا خطأ يقع فيه الكثيرون للأسف الشديد. يضاف إلى ذلك ان الفلسفة حتى في أوجها كانت علماً هامشياً في المجتمع العربي الإسلامي.

والواقع هو ان هذا المجتمع كان يرتكز على ثلاثة قوائم أساسية: قائمة المحاربين باسم الجهاد، وقائمة الفقهاء الذين يلتزمون المشروعية الإلهية على هذا الجهاد، وقائمة التجار الذين يمولون الجهاد.

ويقف فوقهم كلهم شخص الخليفة. اما الفلاسفة والمفكرون الأحرار فكانوا دائماً هامشيين... والنقد الذاتي أو الموضوعي شيء غير مرغوب فيه كثيراً في المجتمعات الإسلامية على عكس المجتمعات الأوروبية. هذه حقيقة ينبغي ان نعترف بها وإلا لما تخلفنا أصلاً عن ركب الحضارة.

أما فيما يخص العنف واتهام الإسلام به دون غيره فهذا شيء لا يصمد أمام الامتحان. فالمسيحية أيضاً كانت عنيفة في بعض مراحل تاريخها وبخاصة أثناء محاكم التفتيش والحروب الصليبية ثم الحروب المذهبية التي جرت بين الكاثوليك والبروتستانت داخل القارة الأوروبية ذاتها والتي أدت إلى سقوط ملايين الضحايا في ألمانيا وهولندا وفرنسا وايرلندا الخ... ولكنها تجاوزت ذلك بعد عصر التنوير الذي قضى على أفكار التعصب والجاهلات. اما في العالم الإسلامي فإننا لم نخرج من عصر الانحطاط بعد ولم ينتصر عندنا التنوير بعد.

وهذه حقيقة بدهية لا يفيد في شيء ان نخفيها. وبالتالي فليست كل انتقادات البعض للإسلام خاطئة بل ربما أفادت المسلمين ودفعتهم لكي يفتحوا أعينهم ويقوموا بالنقد الذاتي لأنفسهم كما فعل الأوروبيون بدءاً من عصر النهضة ثم بالأخص بدءاً من عصر التنوير في القرن الثامن عشر. هذه حقيقة أصبحت بدهية لكل من يرى ويسمع.

القريب والبعيد أصبح يعرف بأن العالم الإسلامي أصبح بحاجة ماسة إلى فتح باب الاجتهاد ومراجعة نفسه مراجعة صارمة لا هوادة فيها وإلا فلن يخرج أبداً من المأزق الخطير الذي يتخبط فيه حالياً. وبما ان مالك شبل شخص مسلم ويحب الإسلام ويتمنى لأبناء قومه خيراً فانه يصارحهم بالحقيقة حتى ولو كانت جارحة ويقول لهم ما معناه: نحن بحاجة إلى إسلام تنوير لا إسلام تكفير..

لقد مللنا من دعوات الحقد والصرخات الداعية إلى القتل والفتاوى الفوضوية الصادرة عن جهل. ولولا ذلك لما تجرأ احد علينا واتهمنا بالميل إلى العنف. ولكنه يوجه تحذيره إلى الغرب قائلاً ان عليه ان يفرق بين الإسلام كدين وبين الأصولية المتعصبة كأيديولوجيا سياسية تستخدم الدين لأغراض ما انزل الله بها من سلطان.

ثم يردف قائلاً ان جميع الأديان وليس فقط الإسلام يمكن ان تفسر في اتجاه السلام والمحبة والتآخي بين البشر، ويمكن ان تفسر في اتجاه التعصب وكره الآخر وخلع المشروعية على أبشع أنواع العنف والقتل. وتجارب التاريخ اكبر دليل على ذلك. فالإسلام الحنيف طيلة الفترة الأندلسية التي دامت سبعة قرون لم يمارس العنف تجاه الآخرين.

ولم يرتكب المجازر ضد المسيحيين أو اليهود على الرغم من انه كان في موقع قوة.على العكس لقد كان أطباء بعض خلفاء المسلمين من اليهود. وهذا شيء يصعب علينا ان نتصوره حالياً.

اما محمد أركون فقد صرح لإحدى الجرائد الفرنسية قائلاً انه صدم بكلام البابا لأنه مناقض لحقائق التاريخ. فعلماء الكلام في الإسلام وبخاصة المعتزلة استخدموا العقل كثيراً واعتمدوا عليه لتأويل النص القرآني. وقد ازدهر الفكر العقلاني في الإسلام بين القرنين الثامن والثاني عشر للميلاد. وهضم الفكر الإسلامي عندئذ فلسفة أرسطو وأفلاطون. ولكن يبقى صحيحاً القول ان العالم الإسلامي تخلى عن الفكر الفلسفي الإغريقي بعدئذ ونسيه تماماً.

ولهذا السبب فان أركون يدعو إلى إعادة الاهتمام بالعقلانية والعلوم الإنسانية في الجامعات العربية والإسلامية لكي ننهض من كبوتنا ونستدرك ما فاتنا ونلحق بركب الحضارة. كما انه يدعو إلى بلورة لاهوت جديد غير اللاهوت التقليدي الطائفي الذي يسيطر علينا منذ مئات السنين.

وهذا اللاهوت الجديد أو التفسير الجديد للدين هو وحده القادر على تجاوز الحزازات الطائفية التي لا تزال تشعل الحروب بين اتباع الأديان التوحيدية الثلاثة وتمنع حوار الحضارات والأديان. ومعلوم ان أركون كان قد بلور هذا اللاهوت الجديد في كتبه العديدة التي ترجمنا بعضها إلى اللغة العربية سابقاً.

ولكن نظرياته الجريئة والقوية عن الدين لا تزال ترفض من قبل التقليديين في كل الجهات دون استثناء. والسبب هو انه يفكك اللاهوت القديم لكي يحل محله لاهوتا منفتحاً، متسامحاً، يرفض الانغلاق والتعصب من أية جهة جاء. كما انه لاهوت منفتح على كل العلوم الإنسانية والمعرفة البشرية.

انه لاهوت الحداثة أو ما بعد الحداثة. أما نحن فلا نزال نتخبط في لاهوت القرون الوسطى الذي يؤبد الكره والحقد بين اتباع الأديان الثلاثة. وبالتالي فلا يمكن ان نخرج من هذه الورطة إلا إذا قبل كل واحد منا ان يكنس أمام بيته قبل ان ينتقد الآخرين.

كاتب سوري

باريس