الحرب الأميركية في أفغانستان يبدو أنها أصبحت موعودة بنهاية «فيتنامية» حتمية.. وقريبة. وبينما يمكن اعتبار أنباء الخسائر البشرية اليومية المتصاعدة بين قوات الحلف الأطلسي العاملة هناك تحت قيادة ومشاركة أميركية كبيرة، المؤشر الرئيسي لاقتراب موعد نصر نهائي لقوات طالبان، فإن هناك مؤشراً آخر يبدو أكثر دلالة وأقوى مغزى. هذا المؤشر يتمثل في «اتفاقية السلام» التي أبرمتها الحكومة الباكستانية مؤخراً مع القوات القبلية الباكستانية في إقليم وزيرستان المحاذي للحدود مع أفغانستان..
وهي قوات متحالفة مع تنظيم طالبان الأفغاني، فربما تراءى للرئيس الباكستاني الجنرال برويز مشرف أن يستبق التطورات الحاسمة المتوقع حدوثها في أفغانستان خلال أمد زمني ليس بالطويل. خلال العام الأخير، كان الجيش الباكستاني منهمكاً في قتال ضد قوات طالبان التي تستخدم الإقليم القبائلي الباكستاني كقاعدة لشن هجمات ضد القوات الغربية داخل الأراضي الأفغانية. والكثير من القوات القبلية الباكستانية نفسها انضمت إلى قوات طالبان.
فما هي بنود اتفاقية السلام التي وقعتها الحكومة الباكستانية مع قادة القوات القبلية؟
البند الأساسي هو أنه في مقابل توقف القوات القبلية عن مهاجمة الجيش الباكستاني وافقت الحكومة الباكستانية على وقف عملياتها البرية والجوية، وإطلاق سراح ما لديها من معتقلين قبليين وعودة القوات الباكستانية إلى ثكناتها. هكذا سوف تتفرغ قوات القبائل الباكستانية لمساندة قوات طالبان عبر الحدود.
وربما يعتبر تصرّف الجنرال مشرف على هذا النحو مثار استغراب إذا أخذنا في الاعتبار أن باكستان صارت في عهده حليفاً رئيسياً في «الحرب الأميركية على الإرهاب»، التي تشمل تشديد الهجوم على قوات طالبان الأفغانية بهدف سحقها نهائياً باعتبار أنها توفر ملاذاً وحماية لقادة تنظيم «القاعدة» وعلى رأسهم أسامة بن لادن».
لكن علينا أن نستذكر أولاً أن جيش طالبان نشأ أولاً داخل باكستان خلال النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي وتحت إشراف الجيش الباكستاني نفسه. ولنستذكر ثانياً أن قومية «البشتون» التي تنتمي إليها قيادة طالبان وكوادرها موزعة بين أفغانستان وباكستان. ولا شك أن هذه الخلفية ساعدت في بلورة قرار الرئيس الباكستاني لمصالحة القوات القبلية الباكستانية المتحالفة مع قوات طالبان أبناء العمومة.
وربما أدرك الجنرال مشرف أن هناك تياراً متصاعداً بين ضباط جيشه للتعاطف مع طالبان. لكن أغلب الظن أنه مع أهمية مثل هذه الاعتبارات أن الجنرال توصل إلى قناعة بأن نهاية الحرب الأفغانية باتت حتمية لصالح طالبان.. وكأنه قرر أن يتهيأ نظامه لاستباق الأحداث من أجل استقبال عهد جديد في أفغانستان أصبح بزوغه وشيكاً.
ويبقى سؤال: هل تشاور مشرّف مع حلفائه الأميركيين قبل توجهه إلى التصالح مع حلفاء طالبان المحليين؟
لا ندري. ربما أدرك الجنرال أن التذمّر المتعاطف مع طالبان بين صفوف ضباط الجيش الباكستاني يتصاعد بدرجة خطيرة. وربما تفهّم الحليف الأميركي موقف الجنرال.