أثبت الناخبون اليمنيون أنهم ينتمون بالفعل إلى مجتمع لشعب محتضر، ومع أنه سبق وأن أكد أبناء اليمن أنهم كذلك فإن النتيجة الانتخابية الحضارية هذه المرة تكتسب أهمية خاصة واستثنائية لأنها جاءت عقب عمليات تحريض وتعبئة غير عادية أجبرت التقديرات على تبني أسوأ الاحتمالات.

ونتيجة للسير الطبيعي للانتخابات يكون إسقاط كل التوقعات والمراهنات السلبية والمتشائمة أول النجاحات الديمقراطية التي أنجزها اليمنيون.

ولا يغطي على النجاح بعض المواجهات وحوادث القتل التي جرت، إذ أن في محدوديتها ما يضعها ضمن التصنيفات المقبولة في حدها الأقل من أدنى المستويات المقبولة.

وتنتزع التجربة الديمقراطية اليمنية ميزة أنها الأقل من الأدنى للمقاييس المتعارف عليها من وسط الحوادث وهو النادر حصوله إن لم يسبق له مثيل.. وأن تعبر المواجهات عن حالة من التمسك بالحق الديمقراطي والممارسة الانتخابية السليمة من شأنه أن يحوِّل المسألة إلى امتياز ديمقراطي ودون أن يَحُول ذلك دون التعامل مع وجهته الجنائية.

لقد تجلى في عملية الاقتراع يوم أمس أن الشعب اليمني جدير بالحياة الديمقراطية وأنه مؤهل للانتقال الحقيقي إلى حالة التداول السلمي للسلطة لأنه الشعب الذي لا يسمح للاختلافات السياسية بلا حدود أن تتطور وتتحول إلى حدود فاصلة ومانعة لاستمرار العلاقات الاجتماعية التعايشية.

ولا مجال في بلاد اليمن أمام التعارضات السياسية أن تفسد للود الوطني قضية، فالوطن وعلى الدوام يتسع لجميع أبنائه.ويوم بلا سلاح في اليمن يعني الكثير.. ومن أهم معانيه أنه من غير الوارد أن يرفع اليمنيون أسلحتهم في وجه القضية والمصلحة الوطنية بما لهذا من دلالة على العلاقة أو المساحة المحصورة جداً لحيازة وحمل السلاح.

ويضاف إلى دلالات ذلك وجود الاستعداد النفسي والذهني لدى اليمني للتخلي عن السلاح طالما اطمأن إلى توفر الأجواء السلمية في العلاقات والتعاملات وهو ما تتكفل الديمقراطية بجزء مهم منه ويكمل النجاح في عقد مؤتمر وطني لإنهاء قضايا وظاهرة الثأر الجزء الآخر من متطلباته.

وامتازت انتخاباتنا وديمقراطيتنا هذه المرة وازدانت بكثافة المشاركة النسوية والحضور الديمقراطي المتألق للمرأة، فهؤلاء هُنَّ حفيدات الملكة بلقيس التي دشنت التاريخ الشوروي والديمقراطي لبلاد اليمن.

وتقتحم المرأة اليمنية بذلك حلبة المنافسة الديمقراطية لأشقائها من الرجال اليمنيين وقد باتت تسابقه إلى مقاعد التعليم وتشاركه في أماكن العمل وتتفاعل وتتعامل معه من الموقع القيادي الإداري والسياسي وفي مجالات الانتاج والابداع المختلفة.

وعن جدارة استحقت المرأة اليمنية بل أكدت حقها في التحية والتقدير بأبلغ تعبيراتهما وبالغ درجاتهما.ولقد صار لكل ناخب شارك في عملية الاقتراع حق في هذا التقدير وكذا كافة الأحزاب التي تنافست ترشيحياً وأسهمت سياسياً وعملياً في صنع النجاح الانتخابي الواضح عليه مشاركة اللجنة العليا ولجان الإدارة الانتخابية والأمنية في إنجازه في موقف يشهد بوطنية وحضارية الجميع.

ولهذا النجاح الانتخابي اليوم مؤشراته الدالة بل المؤكدة على النجاح الديمقراطي في المستقبل غير المحصور في نطاق تداول السلطة بل المفتوح على إمكانية التجسيد الواقعي لمبدأ الشراكة الوطنية في تحمل مسؤولية التحديث وتحقيق النهضة الحضارية الشاملة، وكل نجاح يتحقق هو في النهاية مكسب لشعبنا ووطننا.

لقد نجحنا بالفعل في تحديد نقطة الانطلاقة اليمنية نحو المستقبل الأفضل ومواصلة السير بنفس الروح المتحضرة هو ما يوصلنا إلى هذا المدى المستقبلي.