تراوح عملية تشكيل حكومة الوحدة الوطنية للسلطة الفلسطينية مكانها لأسباب داخلية وخارجية. ويبدو أن الخارج يظهر دوراً خطيراً في بعثرة الصف الفلسطيني. وليس صحيحاً أن سوريا وإيران تدفعان حماس نحو التشدد في هذه المسألة بل إن واشنطن والمجموعة الأوروبية لهما دور سلبي في عدم تكوين حكومة وحدة فلسطينية.
وفيما تريد الولايات المتحدة أن تجر حماس للاعتراف الصريح بإسرائيل وإلقاء سلاح المقاومة وهي مطالب إسرائيلية بالأساس، فإنها في الواقع تعزز شعبية الحركة وجميع قوى الرفض، لأن شعوب المنطقة تستنكف من القوى الخاضعة للإملاءات الأجنبية.
وفي واقع الأمر هناك هروب إلى الأمام من قبل إسرائيل وحلفائها الغربيين. للابتعاد عن أية علاقة مع حماس حتى وإن كانت شريكاً في الحكومة وليست حكومة بمفردها، مما يظهر التعنت الإسرائيلي والغربي تجاه منتجات الساحة السياسية في المنطقة.
ويبدو أن ورش التفكير ومؤسسات الأبحاث والمنظمات المستقلة أكثر وعياً واستجابة للمعطيات السياسية المتلاحقة من الحكومات الغربية، فقد دعا رئيس مجموعة الأزمات الدولية غاريث ايفنز أمس (الأربعاء) إسرائيل واللجنة الرباعية للقبول بحركة المقاومة الإسلامية (حماس) كحركة انتخبت بطريقة ديموقراطية لرئاسة الحكومة الفلسطينية كخطوة أولى لترسيخ عملية السلام.
والمراقب للخطاب السياسي الأميركي يجد ازدواجية وانتقائية فريدتين، ففيما واشنطن تتبنى نشر الديموقراطية، ترفض نتائجها التي لا تتفق مع رؤيتها ومصالحها ومصالح حلفائها، بل وأكثر من ذلك تحشر نفسها في تفاصيل الحياة السياسية للشعوب وكأنها إحدى مكوناتها المحلية، مما يعكس الكونالية الأميركية الحديثة للسيطرة على العالم. وهذا لن يحقق لواشنطن الأمن والسلام اللذين تنشدهما في العالم.
ورغم أن رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية توجه للاجتماع بالرئيس الأميركي جورج بوش فلا يتوقع تغيير الموقف الأميركي تجاه حكومة الاتحاد الوطني الفلسطيني. الأمر الذي يعكس تصلب السياسة الأميركية، وهو ما يقوي ويعزز قوى التشدد والتطرف في المناطق المتوترة مثلما هو الوضع في الشرق الأوسط.
لقد حذرت القوى المعتدلة في المنطقة من التدخل في الشؤون الداخلية الفلسطينية حتى من قبل الدول العربية القريبة من القضية الفلسطينية. ومن الأولى أن يتم الآن تحذير واشنطن من التدخل في الشأن الفلسطيني، فقدر الشعوب هو أن تقرر مصيرها بنفسها خاصة أنها تمارس الديموقراطية بروح شفافة، إلا إذا كانت هذه الديموقراطية مصممة لحماية أمن إسرائيل فهذا شأن آخر يلقي بالشكوك على جميع مبادرات الغرب الحضارية تجاه الشرق الأوسط حتى وإن تدثرت بثياب حقوق الإنسان والحرية والديموقراطية.
وفي ظل النار المختبئة تحت رماد الحروب الشرق أوسطية وفي ظل ما يبدو صراعات دينية ما فتئ الغرب بما فيه مراجعه الدينية الكبرى يؤججها، على حكماء السياسة في الولايات المتحدة أن يضعوا حداً للتدخل السياسي الفاضح في قضايا الشعوب ومصيرها، وإلا فإن لا أحد يمكنه أن يلوم أحداً في تفجر العنف والتطرف وانتشار الكراهية.