مازالت تداعيات محاضرة بابا الفاتيكان بنديكت السادس عشر التي ألقاها الأسبوع الماضي ووردت فيها إساءات شديدة للإسلام ولنبيه صلي الله عليه وسلم‏,‏ تتفاعل في شتى أنحاء العالم وبشكل خاص على جانبي البحر المتوسط‏.‏

وفي محاولة للدفاع عن البابا إزاء الانتقادات الهائلة التي تعرض لها‏,‏ خرجت بعض الأصوات الرسمية والثقافية والإعلامية في أوروبا تقول إن ما تفوه به البابا عن الإسلام يندرج في إطار حرية الرأي التي ناضلت أوروبا وضحت بالغالي والرخيص من أجل الحصول عليها والتمتع بها وواصلت هذه الأصوات حجتها قائلة إن ردة الفعل الكبيرة من جانب المسلمين ما هي إلا مصادرة لحرية التعبير أو هي على أقل تقدير تطبيق لهذه الحرية‏.‏

والحقيقة أن اللجوء لهذه الحجة يعكس اضطرابا كبيرا في العقل الغربي الذي ما فتئ يدعي أنه وصل لدرجة من المنطقية والحيادية والرشادة لم تبلغها الشعوب والحضارات الأخري‏,‏ فما ورد في محاضرة البابا ليس له علاقة بحرية الرأي والتعبير لأن ما حدث بالضبط هو توجيه اتهامات وإساءات إلى الإسلام ونبيه والى التاريخ الإسلامي كله فلم تكن المسألة نقاشا أو حوارا أو حتى رأيا بل أمر يشبه الأحكام القاطعة بأن النبي محمد صلي الله عليه وسلم لم يأت إلا بما هو سيئ وعنيف‏.‏

ثم أين حرية الرأي في إهانة عقائد ونبي أكثر من مليار ونصف المليار مسلم يدعوهم دينهم دائما إلى احترام الدين المسيحي وإلى الإيمان بأن المسيح عليه السلام هو نبي الله وكلمته‏,‏ كما أن الغرب فيما يتعلق بحرية الرأي يكيل بمكيالين وإلا فما معنى أن أي شخص يهاجم مسألة محارق النازية لليهود أو يشكك فيها تتم معاقبته جنائيا على اعتبار أن ذلك لا يندرج في إطار حرية الرأي بل في الاعتداء على معتقدات وتاريخ الآخرين‏.‏

إن أحدا لا يمكنه أن يعترض على حرية الرأي لأنها أسمى ما وصلت إليه الإنسانية لكن ما حدث ببساطة ليس له علاقة بهذه الحرية بل هو اعتداء عليها من جانب البابا الذي أساء للإسلام ولذلك‏,‏ فإن أي نقاش موضوعي يجب أن يستبعد إدراج هذه القضية من بند حرية الرأي حتى لا ينطبق عليها القول المشهور كم من الجرائم ترتكب باسم حرية الرأي‏.‏