لم أكن أتوقع ردود الأفعال التي وردت على مقالين تحدثنا فيهما عن الاندماج الثقافي والاجتماعي بين المواطنين ومئتي جنسية تعيش في أرض الإمارات. فقد كان معظمها إن لم نبالغ محقوناً بغضب شديد.
ردود أفعال تعكس أن المواطنين يتعايشون فعلياً مع الجنسيات المختلفة وان كانت ثقافات الجنسيات الأخرى هي الغالبة، لكنهم في الوقت نفسه يرفضون هذا التواجد الأجنبي وبشكل متزايد، وبعضهم يشعر بأن هذه البلاد لم تعد بلادهم، لأن الأجنبي هو السائد في البلد والغالب فيها، وهو من يسلب حقوق المواطن ويحظى بامتيازاته.
هذا من جانب، ومن جانب آخر كانت هناك ردود أفعال مختلفة لمواطنين آخرين. فهؤلاء يستوعبون توجهات الدولة وسياستها. ويدركون أن التعايش مع هذه الجنسيات ضرورة ينبغي التكيف معها بحدود طالما أن واقعنا يفرض ذلك، لكنهم في الوقت نفسه يطالبون بحماية «فعلية» للمواطن وهويته وحقوقه وامتيازاته في بلده، إذ ان الواقع ممكن للأجانب في دولتنا أكثر من تمكين المواطنين، ومقدم لهم كل الدعم الذي جعلهم يقيمون في دولتنا بثقافتهم وقيمهم الاجتماعية التي ربما يغفلون في بعضها قيم وثقافة الإمارات وأهلها.
ما يهمنا في ردود الفعل تلك هو أن نصل إلى حل مشكلة أصبحت تتفاقم يوماً بعد يوم. مشكلة رفض المواطنين داخلياً لهذا الوجود الأجنبي وتمكينه في الدولة مقابل تراجع وجودهم كمواطنين في بلدهم.
هذا الغضب الذي لمسناه بعد مقالين يجب ألا يجعلنا نكتفي بتهدئة جروح المواطنين، لكنه لابد وان يقود إلى جهود تبذلها الحكومة لتهدئة قلق المواطنين، وذلك من خلال برامج ومبادرات وطنية توازن بين حقوق المواطن وامتيازاته وتحميها، وبين التواجد الأجنبي وما يفرضه.
هذا الغضب الذي لمسناه والذي نشعر به يومياً لابد أن ينأى بمجتمعنا عن انشقاق وعنصرية ربما تقع فيما لو استمر الوضع على ما هو عليه، والتي ربما يعبر عنها الأفراد بطرق مختلفة بعد أن ينفد صبرهم.
خلل التركيبة السكانية لم يعد خطراً على الهوية المحلية فحسب، بل أصبح ينتزع حقوق المواطن في أرضه بعد كل ما أتيح للأجنبي من فرص لتملك العقار والشركات، والعمل والإقامة، وبعد أن أصبحت ثقافته هي الغالبة. قلق المواطنين مشروع وله أسبابه ودوافعه لأن الأجنبي يقترب من أن يصبح مواطناً فعلياً بحقوق وامتيازات أتيحت له، وتؤخر فرص المواطن في امتلاك قطعة أرض أو منزل أو فرصة عمل.
نعم، المواطنون أقلية ويدركون الأخطار المحدقة بهم اليوم أكثر من أي وقت مضى بسبب الانفتاح السياسي والاقتصادي والاتفاقيات الدولية القادمة التي تعزز فرص الأجنبي وتواجده مقابل تعزيز المواطن، لكن ذلك سبب أدعى لأن يكون المواطنون على سلم أولويات الدولة عن طريق منحهم الامتياز الأول في كل شيء، في هويتهم وثقافتهم وفي قيمهم وفي تعريف الآخرين بهم، وفي المكاسب المادية حتى يشعروا أنهم في وطنهم حقاً، لا في وطن أصبح ارتباط الأجانب به يفوق ارتباط المواطنين رغم أن المواطنين يحملون جنسية الدولة التي لا يحملها بعض الأجانب!