تنعقد الجمعية العامة للأمم المتحدة حالياً في نيويورك بعد أيام من اختتام قمة دول عدم الانحياز في هافانا، ورغم التباين الواضح بين طبيعة التجمعين، إلا أن هناك صلات لا تخفى على عين راصد. يجيء اجتماع الأمم المتحدة وهي في حال من الضعف يغري القوة العظمى الوحيدة بفرض هيمنتها، على المنظمة الدولية، وجعلها واحدة من أدواتها الدبلوماسية، حتى بدون الحاجة لرفع لافتة الأمم المتحدة الأميركية.
في المقابل، اتفقت دول حركة عدم الانحياز (118 دولة) على مواجهة الهيمنة الأميركية بوصفها الخطر الأعظم الذي يهدد الأمن والسلم الدوليين، ويسحق طموحات التحرر والاستقلال للدول الصغيرة تحت الأحذية الثقيلة للدولة العظمى.
ولا يخفى على احد أن الأمم المتحدة دخلت مرحلة الشيخوخة الفعلية، وبلغ عمرها واحدا وستين عاما، بعد أن اتسعت رقعة عضويتها (192 دولة) مقابل (50 دولة) عند التأسيس، ولم يقابل هذا النمو العددي، نمو نوعي من حيث الاستجابة للمتغيرات على الخريطة الجيوسياسية، ولم يتم أي تغيير يذكر على هيكلية المنظمة يتواءم مع العالم الجديد بعد انهيار المنظومة الشيوعية وتفكك الاتحاد السوفييتي إلى دول.
وبالتالي تحول نظامنا الدولي إلى نظام أحادي القطب، وعلى هوامشه وضفافه تحبو قوى ودول طامحة لأداء دور أو ملء الفراغ، لكن دون القدرة على إحداث انقلاب حقيقي في موازين القوى ، ينهي انفراد القطب الأوحد بعالمنا.
المفارقة في وضعية المنظمة الدولية بلغت حدا يصعب عقلنته، أو قبوله ، فكيف يتواءم هذا الكيان الذي بلغ سن التقاعد مع عالم في حالة حراك سريع، ودول تتفكك وأخرى تنشأ، وقوى تصعد وأخرى تقف على حافة الانهيار، وأحلاف وتكتلات ناشئة وأخرى آفلة.
هذه المفارقة بين جمود الشكل والهيكل، وحيوية وتغير الواقع تؤدي كما هو حادث إلى شلل آليات حفظ الأمن والسلم الدوليين ، وتوسع الهوة لدرجة يصبح جسرها أمرا مستحيلا، ويخلق أشكالا فظيعة من الازدواجية في المعايير، والقرارات.
أبلغ مثال على هذا التناقض في ازدواجية المعايير، أن الترسانة النووية الإسرائيلية التي تقدر بأكثر من 300 قنبلة، فضلا عن وسائل إطلاقها وإسقاطها التي تغطي كل المنطقة العربية والإسلامية ، ظلت بعيدة عن أي تدخل للأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، ولم تطرح لنقاش جدي في مجلس الأمن، بفضل هيمنة القطب الأميركي الأوحد الدولة الراعية والحاضنة لإسرائيل.
أما العراق الذي لم يمتلك أبدا السلاح النووي، فقد تم غزوه عسكريا بقرار من مجلس الأمن، وبموجب الفصل السابع، تحت شعار امتلاكه لأسلحة دمار شامل، وتبين بعد أن صار في قبضة المحتل، أنها كانت كذبة دولية كبرى، تم تسويقها بتحالف الساسة والمخابرات والميديا الأميركية.
المثال الأقرب، التحرك المتعجل لمجلس الأمن لنشر قوات دولية في دارفور، وإغماض العين عن رؤية جرائم ومذابح إسرائيل في فلسطين منذ سنوات، الأمر الذي يفرض مجيء قوة دولية لحماية الشعب الفلسطيني من إرهاب الدولة الإسرائيلية.
أما في لبنان، فلقد مدت الأمم المتحدة ومجلس أمنها حبال الصبر إلى ابعد مدى، حتى تستكمل إسرائيل أهدافها، وتنهي تدمير لبنان، وحزب الله، ولم تتحرك إلا بعد أن ظهرت أبعاد الورطة وفداحة الخسائر الصهيوني، ففي الوقت الذي رصدت بعض الشخصيات النزيهة في المنظمة الدولية ارتكاب إسرائيل 25 مجزرة ومذبحة جماعية للشعب اللبناني، وقصف القرى والبساتين بالأسلحة المحرمة دوليا، وفى مقدمتها القنابل العنقودية، لم يتحرك مجلس الأمن، بل تعرضت هذه الشخصيات لتوبيخ من المندوب الأميركي جون بولتون ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، و البيت الأبيض.
وعندما اتخذ القرار لوقف الحرب كمحاولة لإنقاذ ماء وجه جيش الاحتلال الإسرائيلي، صيغ قرار مجلس الأمن رقم(1701) في مكتب وزيرة الخارجية الإسرائيلية، حسب كلماتها في حديث لصحيفة ألمانية، وجاء منحازا بشكل صارخ ويبرئ المعتدي ومرتكب جرائم الحرب، ويحمل المعتدى عليه مسؤوليات تفوق حجم ما تعرض له من دمار.
الحاصل إن الأمم المتحدة، بطبيعة النشأة وأمراض الشيخوخة لم تؤد سوى دور الإطفائي الدولي لحرائق الحروب والنزاعات، وفقا لرغبات القطب المهيمن، وعندما تتنازع الجمعية العامة مع مجلس الأمن، تضيع القرارات وتفقد قوتها، وتوضع على أرفف التسويف، ونظرة سريعة على القرارات الصادرة لصالح العرب في فلسطين تؤكد هذه الحقيقة الغائبة مثل شمس وراء ضباب العدالة المفقودة.
الأمم المتحدة تشكلت على أطلال عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، ووفقا لإرادة القوى المنتصرة، صيغ الميثاق من( 111 مادة) ومنحت العضوية الدائمة وحق النقض (الفيتو) للخمس: الولايات المتحدة الأميركية، الاتحاد السوفييتي، بريطانيا، فرنسا، وأضيفت لهم دويلة تابعة هي (فرموزا)، في تواطؤ بين القطبين الأميركي والسوفييتي على إبعاد العملاق الصيني، قبل أن تستعيد الصين مقعدها.
لهذا، لن تستقيم أمور عالمنا إلا بإصلاح جذري للمنظمة الدولية ينهي احتكار القطب الأوحد وتوابعه للقرار الدولي، ويعيد تثبيت لافتة الأمم المتحدة بدلا من كونها حاليا أمما متحدة أميركية.