منذ أن انهارت الشيوعية في أوروبا من 17 عاماً، بدأت المجر مسيرة إصلاح اقتصادي رائعة اجتذبت بها حجماً كبيراً من الاستثمارات المباشرة، وحققت من خلالها البلاد أقصى استفادة ممكنة من القوة البشرية الموجودة لديها لاسيما في منطقة بودابست. ويفترض عدد كبير من المستثمرين حالياً أن المجر، التي هي أحد أعضاء الاتحاد الأوروبي الآن، ستواصل معدلات النمو والتنمية التي بدأتها.
غير أن المجر لا تزال تواجه تحديات اقتصادية صعبة ومخاطر قد لا يتقبلها اللاعبون في الأسواق المالية. وفي حال عدم نجاح الحكومة في مواجهة القضايا النقدية والمالية خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة، فإن صورة المجر قد تبدو أقل وردية.
أفضل السيناريوهات المتوقعة للاقتصاد المجري يتمثل في قيام الحكومة بتقليص حجم الإنفاق بشكل كبير ومواصلة مسارها الحالي الإيجابي، حيث تندمج بشكل كامل في الاقتصاد الغربي خلال الأعوام السبعة المقبلة. فضلاً عن ذلك، تتجنب الدولة أي انفلات كبير في أسواقها المالية وتنضم إلى منطقة اليورو بحلول عام 2011. وستساعد قوة العمل المثقفة والماهرة التي تتمتع بها المجر البلاد على اجتذاب استثمارات أجنبية عالية القيمة.
أما السيناريو الأسوأ فيتمثل في أن تتوقف عملية الإصلاح المالي ويتباطأ النمو الاقتصادي إلى 1% أو 2%. ونتيجة لذلك تفشل الحكومة في إقناع المشاركين في الأسواق المالية خلال فترة الاثنى عشر إلى الثمانية عشر شهراً المقبلة بأنها تستطيع تحسين الصورة المالية للدولة.
إلى جانب ذلك يظل العجز المالي وعجز الحسابات الجارية على مستويات مقلقة. وتؤدي الأزمة في الأسواق المالية إلى تراجع كبير في حجم الاستثمارات الأجنبية التي تعد عصب النمو والتنمية في المجر. ثم يهرب المستثمرون في السندات والبورصة إلى الخارج. ولا شك أن المناخ الاقتصادي السيئ يؤدي إلى تفريغ الدولة من قدراتها البشرية.
حيث تهرب الكوادر الوطنية إلى الأسواق الأفضل في دول الاتحاد الأوروبي مثل ألمانيا وبريطانيا وايرلندا وغيرها. ونتيجة لذلك تصبح المجر معتمدة بالكامل على مساعدات التنمية القادمة من دول الاتحاد الأوروبي وتتلاشى ديناميكيتها الاقتصادية.
أيُ السيناريوهين أقرب إلى الحدوث؟ القرارات التي سيأخذها الساسة المجريون خلال الفترة المقبلة هي التي من شأنها الإجابة عن مثل هذا السؤال. أولاً هل سيلتزم هؤلاء الساسة ببرنامج الإصلاح المالي المهم بشكل حيوي ويحققون به نتائج إيجابية؟ الإجابة هي نعم بالتأكيد.
ثانياً، من أجل الحفاظ على برنامج تقليص عجز الميزانية، هل تتخذ الحكومة تلك الخطوة التي لا تحظى بأي ترحيب سياسي والمتمثلة في تقليص حجم الإنفاق بشكل كبير للغاية خلال العام المقبل بدلاً من اللجوء إلى رفع حجم الضرائب والرسوم؟
هنا تبدو الصورة أقل وضوحاً. ثالثاً، هل ستقلص الحكومة نظام الضرائب خلال السنوات العديدة المقبلة بمجرد أن ينتج عن إجراءات الإصلاح الإداري أي فوائد؟ يصعب هنا أيضاً إعطاء قول فصل في هذا الصدد.
الاحتمال الأكبر يتمثل في أن تسير المجر بشكل جيد خلال 2006 ولكن تظل هناك تحديات أكثر قسوة تلوح في الأفق.
وكما هي الحال عندما يحاول المرء تقدير احتمالية وقوع سيناريوهين متناقضين، فإن الإجابة في أغلب الظن تكون وسطية.
ولذا فإن السيناريو الأكثر احتمالاً هو سيناريو وسط بين الاثنين تتمتع خلاله المجر بمعدلات قوية في قطاعات ومناطق اقتصادية معينة في الوقت الذي يتخلف فيه الآخرون. وتظل معدلات البطالة مرتفعة نسبياً، وتعمل الحكومة بشكل ظاهري على دعم عملية الإصلاح حتى تستقر الحالة السياسية في البلاد دون توريط نفسها بقوة.
لقد حقق التحالف الليبرالي الاشتراكي الحاكم في المجر انتصاراً واضحاً لا لبس فيه في جولة إعادة الانتخابات في وقت سابق من هذا العام. ولكن هذا النصر تحقق في جزء كبير منه بفضل وعود التحالف المتمثلة في تحقيق «إصلاح من دون تقشف».
إن التقليص الحاد في حجم الإنفاق ليس بالإجراء الذي يحظى في الغالب بأي ترحيب لاسيما داخل دول الاقتصادات الناشئة. ومن ثم فإن الخطر يكمن في احتمالية أن تقلص الخسارة في الانتخابات المحلية في شهر أكتوبر من نفوذ رئيس الوزراء فيرينك جيورساني داخل حزبه الاشتراكي وتدفعه إلى التراجع عن الإصلاحات المالية التي تحتاجها البلاد بشدة من أجل تعزيز قدرة المجر على اجتذاب المستثمرين.
هناك احتمال كبير بأن يتجرع الاشتراكيون هزيمة في الانتخابات المقبلة؛ فمن المحتمل أن يفقدوا معظم مقاعد المجالس المحلية التي يسيطرون عليها ومن المحتمل أيضاً أن يتعرض عدد كبير من العمد الموجودين الآن في السلطة للهزيمة. غير أن أثر هذا في الحزب وعلى المستوى الوطني سيكون ضئيلاً للغاية.
إن القيادة في المجر تتوقع تلك الخسارة. ولكن إذا لم تتسبب تلك الخسارة المحتملة في «زلزال» ينتج عنه حصول المعارضة على معظم المجالس المحلية والإقليمية، لاسيما في المدن الكبرى، فإن الحكومة ستمضي قدماً في برنامج الإصلاح المالي.
خدمة «لوس انجلوس تايمز»
خاص لـ «البيان»