إنه نفس قصر المؤتمرات الذي بني في العام 1979 خصيصا لاستقبال القمة السادسة لحركة عدم الانحياز التي عقدت في العاصمة الكوبية هافانا.. إنه نفس الشعار «الوطن أو الموت، سننتصر» الذي يرفعه الشعب الكوبي متمسكا بنظامه الاقتصادي والاجتماعي الذي اختاره. هناك انعقدت يومي الجمعة والسبت القمة 14 للحركة بحضور رؤساء دول وحكومات 55 بلدا من بين 118 بلدا تمثلت بمستويات مختلفة لتشكل أكثر من ثلثي البلدان الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة.
بعد مؤتمر باندونغ 1955 تشكلت حركة عدم الانحياز في سبتمبر 1961، منذ اللقاء الذي ضم في العاصمة اليوغسلافية السابقة بلغراد زعماء هذه الحركة الأوائل: الرئيس اليوغسلافي جوزيف بروز تيتو ورئيس الوزراء الهندي جواهر لال نهرو والرئيس المصري جمال عبد الناصر. حاولت هذه الحركة أن تتخذ موقف المراقب الحيادي دون التدخل في المواجهة بين القوتين العظميين في ذلك الوقت.
في بداية الثمانينات بدأت الحركة تعاني من أزمة جدية. فبعض أعضائها كإيران والعراق دخلوا في صراعات مسلحة بينهم. وبعضهم ربط سياسته الخارجية بشكل غير معلن إما مع الاتحاد السوفييتي أو أميركا. وبعد تفكك الاتحاد السوفييتي ومنظومة البلدان الاشتراكية بدت الأزمة أكثر جدية. وبدا أن الحركة فقدت أصلا مغزاها الأولي الذي قامت على أساسه. لكنها استجمعت قواها للتصدي لحل معضلات التنمية الاقتصادية.
حيث أن أكثر من 60% من سكان البلدان الأعضاء في هذه الحركة تعيش في بؤس مدقع. لكنه، لهذا السبب بالذات، لم تحقق في هذا الاتجاه نجاحات تذكر. وظلت حركة عدم الانحياز تدعو إلى تطوير التعاون في خط «جنوب - جنوب»، أي بين الدول التي لا تزال تشارك في الاقتصاد العالمي بصفتها تابعا للشمال الغني ومزودا له بالمواد الخام.
في عام 2003 أحدثت القمة 13 لحركة عدم الانحياز التي انعقدت في العاصمة الماليزية كوالالمبور حالة مبدئية جديدة في اصطفاف القوى السياسية في العالم. كان الرئيس الماليزي مهاتير محمد يحاول بعث الروح في هذه الحركة.
أما في الواقع فقد جاء كصاحب مبادرة لخلق حركة جديدة تماما. حدث ذلك في وضع دولي، كان من الممكن تعبئة أكبر عدد من البلدان على خلفية المواجهة بين الولايات المتحدة وكل العالم.
بعد 11 سبتمبر 2001 أخذت الولايات المتحدة تتصرف وكأنها على ضفة وبقية العالم كله على الضفة الأخرى، بما في ذلك القارة القديمة - أوروبا.
وشرعت الولايات المتحدة في أشد الألعاب خطورة، تجسدت في السعي لتحقيق سيطرة فعلية وسريعة على العالم وإخضاعه لمصالحها الخاصة.
والأحداث التي تتالت منذ سبتمبر 2001 تؤكد هذه الحقيقة، وتؤكد صحة استخلاص راؤول كاسترو، شقيق الرئيس كاسترو والقائم بأعماله، في خطابه أثناء افتتاح القمة الأخيرة أن السمة الرئيسية لعالم اليوم هي نزعة الولايات المتحدة غير المبررة لتزعم العالم مدعومة من قبل حلفائها، داعيا إلى التوحد في النضال ضد عالم القطب الواحد بهيمنة أميركا.
ورغم انتهاء المواجهة الرسمية بين الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة، إلا أن المواجهة بين روسيا وأميركا تتخذ اليوم أشكالا جديدة على مختلف الأصعدة ولذلك فقد حرص الرئيس بوتين على إرسال إشارات خاصة في رسالته إلى المؤتمر تؤكد أن روسيا تنظر إلى حركة عدم الانحياز كواحدة من أهم الركائز في معمار العلاقات الدولية وتطور الحضارة الإنسانية..
وأنها عاقدة العزم على مواصلة التعاون المتبادل المنفعة معها في مواجهة الأخطار الجديدة «كالإرهاب والنزاعات والأزمات فيما بين المجموعات الإثنية وتفاوت التطور الاقتصادي والمشاكل البيئية».
حيث أن ذلك يتطلب ليس جهود دول منفردة، بل ومساهمة نشطة من المنظمات الإقليمية والدولية، ولهذه الأسباب بالذات تصبح حركة عدم الانحياز مطلوبة اليوم أيضا. وذكر بوتين بالتاريخ المشترك والغني للعلاقة بين روسيا والحركة القائمة على الاحترام والمنفعة المتبادلة. ووعد بالعمل يدا ليد في هيئة الأمم المتحدة بما «يخدم مصالح كلينا في الخروج بحلول عادلة لإصلاح المنظمة الدولية وفق مطالب الزمن».
بهذا أكدت روسيا أنها تتعاطف كليا مع البند الأهم في جدول أعمال المؤتمر وهو موقف الحركة الداعم لمشروع إصلاح بنى هيئة الأمم المتحدة التي يجب أن تصبح أكثر ديمقراطية وانفتاحا من أجل مشاركة أنشط من قبل أعداد أكبر من الدول. ويتعلق الأمر أساسا بإصلاح مجلس الأمن التابع لهذه الهيئة بعيدا عن الهيمنة الأميركية.
حضور قادة أقوياء جدد كالرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز والبيلوروسي ألكسندر لوكاشينكو والبوليفي إيفو موراليس وغيرهم أعطى لهذه الحركة طابعا ودورا جديدا في العلاقات الاقتصادية الدولية ومكافحة الفقر بين الدول النامية باستخدام الأداة المالية كأهم أداة طالما استخدمت في مصادرة خيارات هذه البلدان في تطوير اقتصادها وتقرير مصيرها عموما.
فقد دعا تشافيز إلى إنشاء «بنك الجنوب» كآلية مالية لتكامل العالم النامي، مؤكدا: «أننا نستطيع بأنفسنا تمويل التقدم الاقتصادي والاجتماعي والتقني - العلمي والثقافي لبلداننا. وعن طريق المساهمة بحصص من الاحتياطات المالية لكل دولة سنتمكن بسرعة من خلق أداة مالية قديرة للتكامل والتخلص نهائيا من إملاءات البنك الدولي للإنشاء والتعمير وصندوق النقد الدولي اللذين يفرضان علينا مذهبهما الاقتصادي الخاص».
وفي حين أكد قادة الحركة على نبذهم للإرهاب العالمي، أكد الرئيس الباكستاني برويز مشرف على أن الأسباب الأساسية لهذه الظاهرة هي في عدم المساواة الاقتصادية والسياسية بين دول العالم، وفي البؤس والجوع وسخط ملايين الناس التي تسود في بلدان كثيرة مولدة أيديولوجية وممارسة التطرف. وأدان بشدة محاولات ربط الإرهاب الدولي بالمعتقدات الدينية، وخصوصا بالإسلام.
لقد أثبتت دول عدم الانحياز قدرتها على حل مشاكلها الداخلية دون وسيط. فالهند وباكستان أعلنتا اتفاقهما على حل كافة الخلافات بينهما سلميا وقدرتهما على التحلي بالمسؤولية إزاء ما تمتلكانه من أسلحة نووية، بالضبط كما أكدت كوريا الشمالية على أنها تحتفظ بسلاحها النووي للردع فقط.
وساعدت الإرادة الجماعية على بلورة موقف سياسي لدول حركة عدم الانحياز بالدعوة لنزع السلاح الشامل، بما في ذلك السلاح النووي في المنطقة، وفي نفس الوقت أكدت على التمسك بحقها في إجراء الأبحاث وإنتاج واستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية ورفض الهجوم أو التهديد بالهجوم على المنشآت النووية السلمية.
واعتبار أي هجوم تنوي أميركا شنه على منشآت إيران النووية خرقا للقانون الدولي. وبمواقفها الجماعية تتصدى حركة عدم الانحياز للمصطلحات التي تعمل أميركا على إدراجها في التداول العالمي كمصطلح «محور الشر» الذي تستخدمه لترهيب دول أعضاء في الحركة، ودعت إلى الإقلاع عن استخدامه باعتباره من مخلفات الحرب الباردة.
كاتب بحريني
ajnoaimi@gmail.com
