على جاري العادة والمألوف، في هذا الوقت من السنة، يلتقي هذه الأيام زعماء وقيادات العالم، في الأمم المتحدة بنيويورك، للمشاركة في افتتاح الدورة العادية، لجمعيتها العمومية. حشد واسع من الدبلوماسية الدولية، على أعلى المستويات، يقوم بالتشاور والتداول في الملفات الساخنة والنزاعات.
كما في قضايا السلم والاستقرار، في العالم. ومنطقتنا حظيت في اليوم الأول، كما كانت تقليدياً، بالشق الأكبر من اهتمامات هذا الحشد المتميز، وذلك بحكم كثرة بؤرها المتفجرة وأوضاعها المأزومة. وبالتحديد من اهتمامات الذين تحدثوا من على منبر الجمعية أول من أمس، مثل الرئيس الأميركي والرئيس الفرنسي، والأمين العام للأمم المتحدة.
القضية الفلسطينية والعراق ولبنان وأيضاً إيران، كلها كانت محور الخطابات. الكلام الذي قيل طيب، من نوع «اسمع تفرح».
الرئيس الأميركي أُفصح وبما يشبه التعهد، بأن قيام دولة فلسطينية يبقى أحد أهم أهداف رئاسته. كما تحدث عن استعداد بلاده للوقوف إلى جانب الاعتدال والإصلاح «بالتعاون مع الأمم المتحدة». كما جدد احترامه للإسلام.
وتحدث الرئيس الفرنسي بمثل هذه اللغة، مشدداً على أهمية الحوار لحل الأزمات خاصة مع إيران.
ومثله فعل كوفي عنان، خاصة بالنسبة للقضية الفلسطينية، محذراً من تزايد التراجع في احترام الأمم المتحدة، إذا بقيت عاجزة عن إنهاء النزاعات والاحتلالات.
وخطابه كان الأخير أمام الجمعية العمومية، لانتهاء ولايته في أواخر العام الجاري، هذا على صعيد الخطاب الذي حملته كلمات اليوم الأول من الدورة. أما على الأرض فالأمور كانت ـ على الأقل حتى الآن ـ من نوع «جرِّب تحزن».
الأمم المتحدة، المحتفل بافتتاح جمعيتها تعاني من تقلّص في دورها كما في هيبتها. وهو ما أشار إليه عنان صراحة، وليس سراً أن ذلك يعود إلى هيمنة القوى الكبرى التي تكيل الأمور بمكيالين. خاصة في الشرق الأوسط. وواشنطن على رأس هذه القوى والتي تتميز ممارستها في مجلس الأمن بلعب الدور المعطِّل لمهام المنظمة الدولية. وبالتحديد في مجلس الأمن.
والقائمة طويلة: من فلسطين إلى العراق وانتهاء بالعدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان. القرارات الصادرة ضد إسرائيل والمجمدة بفعل الحماية الأميركية، تعدّ بالعشرات. ومثلها القرارات التي تمّ إسقاطها بالفيتو الأميركي. وفي العراق كان القفز فوق الأمم المتحدة وتهميشها.
وكذلك في لبنان مؤخراً، حيث جرى تقييد مجلس الأمن ومنعه، بالضغط الأميركي، عن اتخاذ قرار مبكّر بوقف النار ومنع إسرائيل من تدمير ما دمرته في عدوانها.
كل ذلك أدّى إلى تراكمات أفقدت المنظمة الدولية، التي ولدت تحت ضغط هول الحرب العالمية الثانية لتكون صمّام الأمان القادر على تسوية النزاعات الدولية وسحب فتيلها قبل أن تتحول إلى حروب مدمرة، أفقدتها مصداقيتها وفعاليتها.
من هنا أهمية وضرورة أن يكون افتتاح دورتها لهذه السنة فرصة لإعادة ضخّ الأوكسجين في شرايين دورها، لاستعادته وتفعيله، وإلا تحولت المناسبة إلى تظاهرة دبلوماسية، روتينية، في لحظة تاريخية فاصلة يحتاج فيها العالم لتكون التظاهرة محاولة إحياء للمنظمة الدولية.