الساحة الأردنية متاحة بشكل مفتوح وديمقراطي لعمل المنظمات غير الحكومية الدولية المعنية بقضايا حقوق الإنسان ، وذلك اقتناعا من الأردن بأهمية الشفافية والانفتاح والتعاون والمشاركة مع منظمات المجتمع المدني ، بالرغم من مطالبات بعض القوى السياسية وخاصة المعارضة منها بتجميد وتقليص عمل هذه المنظمات الدولية واتهامها بحمل أجندات مشبوهة ضد الأردن.

قناعة الأردن سببها الثقة بالنفس ، وهذا ما جعل عمان موقعا لعقد مؤتمر صحفي لمنظمة مراقبة حقوق الإنسان يوم أمس ، أطلقت عبره تقريرا حفل بالكثير من المبالغات والمغالطات حول اساليب عمل أجهزة الأمن الأردنية وخاصة في إطار مراقبة الشبكات الإرهابية ، وهو ثاني تقرير مسيء للأردن من نوعه في غضون شهرين.

تركيز منظمة مراقبة حقوق الإنسان على الأردن في الأشهر الماضية دونا عن كل الدول العربية والدول الأخرى في الشرق الأوسط يثير الريبة والشك ، كما أن المبالغات الشديدة التي يحملها التقرير تجعل من الضرورة على الحكومة تغيير سياساتها الشفافة مع هذه المنظمات وتوضيح الكثير من الحقائق التي يجب أن تنشر في سياق دور الأجهزة الأمنية في حماية الأردن من العمليات الإرهابية وذلك حماية ودفاعا عن سمعة الأردن.

إن من يقرأ مثل هذا التقرير يعتقد وكأن الأردن دولة دكتاتورية يتم فيها انتهاك حقوق المواطنين بدون سبب ، حيث لا يذكر التقرير شيئا عن سياق الاستهداف الإرهابي للأردن ، ويعتمد على روايات محدودة لعدد من المعتقلين ، للخروج باستنتاجات قاطعة ظالمة حول الإجراءات الأمنية في الأردن.

كلنا نتمنى لو كنا نعيش في بيئة سياسية هادئة ومستقرة تشبه البيئة السياسية في الغرب التي تخلصت من الاحتلال والحروب والصراعات الايديولوجية لتتمتع بحقبة من حقوق الإنسان ، ولكن الأردن يواجه تحديات صعبة جدا ، وحماية الأمن والاستقرار ليسن مسألة سهلة.

ولو قامت منظمة مراقبة حقوق الإنسان بدورها بطريقة أكثر منهجية ، لخرجت بتقرير يثبت فيه تفوق الأردن في طريقة معالجة التحديات الأمنية التي تواجهه مقارنة بكل دول العالم التي تواجه تحديات اقل.

يعيش الأردن بين احتلالين أجنبيين ، وموجة من العنف سببها قلة المنطق والمسؤولية في السياسات الدولية في المنطقة ، ويواجه استهدافا أمنيا لأسباب سياسية ، وبالتالي تصبح المسألة الأمنية ذات أولوية كبرى في الأردن.

الأردن مضطر إلى انتهاج خيار التركيز الأمني ، وهذا ما يتضمن اعتقالات واستجوابات لمشبوهين ، ولكن هذا العمل الأمني يبقى دائما محصورا بنسبة ضئيلة جدا من المتهمين ، ولا يفرض أي نوع من الضغط الأمني على حياة المواطنين في الأردن ، بعكس معظم البلدان التي تواجه خطر الإرهاب.

وفي الأردن لا توجد قوانين وتشريعات تقوم بتصنيف الناس حسب الدين واللغة والحضارة ، ولا يوجد في الأردن من يمنع أحدا من دخول طائرة أو استئجار منزل بسبب صفة مميزة في اللون والدين واللغة. ان مستوى احترام حقوق الإنسان في الأردن حتى بالرغم من هذا التحدي الأمني الصعب ، يبقى مرتفعا جدا مقارنة بدول عربية أخرى أو دول غربية أكثر عراقة في حماية حقوق الإنسان ، بل يمكن القول وبكل مصداقية وبدون مبالغة ، أن هناك الكثير من الملاحظات الايجابية التي يمكن اتخاذها من التجربة الأردنية ، بدلا من وضع تقرير مبالغ به ويستهدف الأردن بطريقة مشبوهة وغير مقبولة.