كما صُنعت إسرائيل من خلال وعد (بلفور) وقامت أوروبا بإعدادها كوطن مغتصب لليهود، وأكملت المسيرة، أمريكا، ولأن غالبية أعضاء مجلس الأمن الرئيسيين يتكتلون في أوروبا وأمريكا، فإن صنع السلام بين العرب وإسرائيل لا يستعصي على هذه الدول، إذا ما أرادت تحقيق ذلك، وبشكل عملي.

المجلس الذي سينعقد بين الدول الأعضاء ووزراء الخارجية العرب غداً قد يكون بداية لعمل ما، وإن ظل التفاؤل ضعيفاً، لكن ما ينبني عليه الأمل أن ظروف المنطقة المتفجرة لا تسمح بتدهور آخر، لأن السعير لم يقف على حدود تلك الدول بعد أن أصبح الإرهاب والذي يعد نتاجاً مولّداً لأزمات المنطقة وخيبة السياسات الدولية تجاهها، والتي لم تقنع الساسة في المراكز العليا، ولا المواطن العربي، والمسلم بنوايا الدول الكبرى، يجعل التحرك الإيجابي مطلباً للجميع..

فالمنطقة التي شهدت الاستعمار ثم حالات التيه بين الشرق والغرب، وتحولت إلى مراكز نزاعات بين القوتين العظميين، ثم التفرد الأمريكي الذي دعم إسرائيل بلا تحفظ وشجعها على تنمية العداوات واقتراف الجرائم مع الفلسطينيين، ثم التدخل في لبنان والصومال، واحتلال العراق، واستمرار تجاهل القضايا الحساسة، وتدمير ما جاء من حوارات بين الأديان والحضارات، واتخاذ الإسلام منبر شتم من تيارات لا تقل تعصباً ومرضاً عن بعض الإسلاميين المتطرفين، كل ذلك أفرغ المضامين من حيويتها وبات تراكم النزاعات، الطريق السائد، ولذلك فالمطالب العربية لإخراج بند السلام من التجاهل إلى العمل لا تعتمد على النوايا الحسنة، وإنما قائمة من المكاسب لكل الأطراف.

فالحروب لم تنجح في تذويب الفلسطينيين، أو منعهم من المقاومة مع المطالبة بحقوقهم، وإسرائيل لا تستطيع نقل الأرض إلى بيئة خارجية، وكل ما تدعيه بات غير مقنع حتى للدول الداعمة لها، لأن المخاطر اتسعت وتشعبت وصارت سبباً مباشراً لكل التطورات اللاحقة التي تأتي على قائمتها ظاهرة الإرهاب..

العرب ليسوا في موقع القوة، لكنهم بدون ضعف إذا ما تكتلوا تجاه قضية هي الأساس في جميع الحلول وخلق بيئة سلام يتعايش فيها على نفس التساوي بالحقوق والواجبات، وصيانة الأمن لكل الدول، والمحيط العالمي..

ولأن أمريكا تحتاج، كدولة عظمى، إلى الشجاعة الأدبية وتبدأ بخلق أجواء تساعد كل الأطراف على تشكيل قاعدة للحوار الذي يفضي للسلام، فإنها مدعوة أن تضع ذلك في عمق سياساتها، حيث انتهت مواسم الوعود والتباطؤ في الحلول، ودرء المخاطر، ولذلك فالاجتماع خطوة لطريق معقد وطويل..