رغم أن للمرأة الخليجية رصيداً اجتماعياً وسياسياً لا يختلف عليه اثنان في الداخل أو الخارج، إلا بعض من العامة كما هم بعض المؤثرين في التوجهات الانتخابية لقطاع مهم من العامة.

وليس بغريب القول أن بعض حكومات المنطقة ترغب في أن ترى بعضا من نسائها قد حققن حضورا سياسيا مهما عن طريق صناديق الاقتراع إلا أن رغبة الكثير من التضامنيات التقليدية قد لا تتوافق أو تتطابق مع ما قد يرغب فيه هذا النظام أو ذاك.

فالتوجهات التصويتية لهذه التضامنيات قد تحمل إرثا ثقافيا ودينيا وقبليا قد يكون أقل ما قد يقال عنه أنه يتسم بقدر كبير من المحافظة. كما أن هذه التضامنيات وتحديدا تلك التي ترى نفسها على يسار النظام وأقرب إلى المعارضة فإن توجهاتها التصويتية تنزع في الغالب ألا تكون متطابقة على الأقل مع توجهات النظام القابل بقدر من المشاركة النسوية في صناعة القرار، وإن كان هناك إلحاح عليها من داخل القطاع التضامني بنصرة المرأة في أي انتخابات محلية أو برلمانية قادمة.

ومن المهم القول أن الحالة الانتخابية للمرأة إذا ما جاز لنا القول بذلك تخضع لتأثيرات بعض من التوجهات قد يكون أهمها مواقف التضامنيات الإسلاموية المختلفة بشقيها السني والشيعي وكذا مواقف التضامنيات القبلية. وتتسم هذه التضامنيات بتأثيرها الكبير في المواقف والتوجهات الانتخابية لأفرادها.

وهي في هذا أي التضامنيات تحمل مخزونا دينيا وموروثا اجتماعيا بات هو الحاسم في أي معركة انتخابية قادمة. فالنوازع الما قبل حضارية باتت ذات تأثير كبير وسريع وقدرة على انتزاع اصطفافات سهلة الحضور أمام البدائل الاجتماعية الأخرى الحديثة والقادرة على تكتيل الناس والمجتمع وفق أطر تتجاوز نوازع الأفراد ومكوناتهم الذاتية.

وتمثل التضامنية الدينية أو بالأحرى الإسلاموية النسق الأكثر تأثيرا أو بالأحرى قدرة على التأثير في اتجاهات الناس الانتخابية بفعل التكوين الديني للمجتمع من ناحية وبفعل كذلك البروز القوي والمنظم لجماعات الإسلام السياسي التي لا يخلو بعضها من شكل من أشكال المساندة غير العلنية وربما العلنية أحيانا من قبل بعض الأروقة الرسمية.

والتي تأتي بقصد خلق قدر من التوازن بين التضامنيات القبلية والمذهبية المختلفة وهو في واقع أمره مدخل لا يخلو كثيرا من المخاطر الذي أثبتتها التجربة العربية في الكثير من المواقع الإقليمية في المنطقة العربية.

ويختلف الموقف في هذه التضامنيات من المرأة باختلاف النسق الفقهي السائد فيها، بين تلك المعارضة لدخول المرأة العمل السياسي في البرلمان على اعتبار أنها شكل من أشكال الولاية العامة التي لا يُجوُزها الشرع للمرأة.

ويتبنى هذا الموقف التيار السلفي بشكل عام سواء أولئك الذين اعتبروا أنفسهم على الموالاة أو المعارضة، ويتمثل الأخير فيما يمكن أن يطلق عليه بالسلفية الجديدة التي ما زالت جنينية الحضور ومحدودة التأثير في البحرين إلا أنها ذات قوة ونفوذ في بعض الدول الخليجية الأخرى وتحديدا في الكويت والمملكة العربية السعودية.

وليس جديدا القول أن هذا الموقف تتبناه كل فصائل السلف المختلفة سواء أكانت تلك المسماة بالسلفية التقليدية أو المحدثة أو تلك المنشقة عن الأولى والمسماة بالسلفية العلمية.

وفي كل الأحوال فإن منتظمي وأنصار هذا التيار سواء أكانوا رجالا أو نساء سيصوتون بشكل منتظم وكثيف لمرشحي التيار السلفي تحديدا ولن يتجاوزوا ذلك على الإطلاق. ويتمثل حضور هذا التيار في المحافظة الجنوبية وفي مدينة الحد وبعض أحياء المحرق القديمة وبعض أحياء مدينة المنامة القديمة.

أما التياران الإسلاميان الآخران فهما تيار الإخوان المسلمين والشيعة بتمثلاتهم السياسية المختلفة، وهذه التيارات رغم أنها لا تحمل مواقف فقهية مُعارضة لدخول المرأة البرلمان، إلا أنهما وبسبب الطبيعة الاجتماعية المحافظة لمنتظمي هذين التيارين فإنهما لا يبدوان قادرين على تجاسر أو بالأحرى الخروج عن وصاية بعض من رموز الحركة الدينية الذين قد تتسم مواقفهم من دخول المرأة المعترك السياسي بالقبول الشرعي والرفض الاجتماعي.

أي أنهما لا يجدان إن الحالة الزمنية المعاصرة تعين أو تسعف على دعم دخول المرأة البرلمان رغم قدرتها، أي المرأة، على تحقيق ذلك. أي أن الجانب المجتمعي في موقف هذين الفصيلين بدا طاغيا على الجانب أو الموقف الفقهي. ويتمثل هذان التياران تحديدا في حزب الدعوة وحزب الله الشيعيين وحزب الإخوان المسلمين، وهما التياران الأكثر حضورا ونفوذا في البحرين والكويت.

ورغم أن بعض هذه التنظيمات السياسية ـ الدينية الخليجية، وبالتحديد في الحالة البحرينية، قد تجاسرت وأدخلت المرأة ضمن أطرها التنظيمية المعلنة، إلا أنها كما أشرنا سابقا غير قادرة من المنظور الاجتماعي على تجاوز طبيعة مفهومها للعمل البرلماني الذي بالنسبة لها يتطلب قدراً من الجسارة ولربما الجرأة التي لا تزال المرأة غير قادرة على اكتسابها.

أو أن هذا النوع من العمل السياسي، وفق رؤيتها، ليس قريبا بعد من طبيعة المرأة كأنثى. أي ما زال المفهوم التقليدي لتقسيم العمل الاجتماعي بين الرجل والمرأة مؤثر في المواقف السائدة لهؤلاء من المشاركة السياسية للمرأة.

فجماعة الإخوان المسلمين في الكويت كانت ضمن التجمع القبلي ـ الديني المعارض لإعطاء المرأة الكويتية حقوقا سياسية مساوية للرجل ليس وفق موقف فقهي معارض كما هي أطروحة الجماعة السلفية وإنما جاءت معارضتهم لذلك، كما يقولون لأسباب اجتماعية، كما أبدت بعض هذه التيارات عدم «استحسانها» دخول المرأة البحرينية الانتخابات البلدية، لما لهذا العمل، وفق رؤيتهم، «ميزات معينة لا تتوفر في المرأة».

وتبدو المفارقة الكبيرة في أنه في الوقت التي تقف هذه القوى والتضامنيات الموقف المعارض تمثلا وتمثيلا لحق المرأة في المشاركة الفعلية، وليس عن طريق الرجل، في صناعة القرار، إلا أن النساء يمثلن بالنسبة لهذه التضامنيات الرصيد أو الجيش الاحتياطي المرجح لكفتها الانتخابية في الكثير من الدول الإسلامية .

حيث استطاع تجمعا الإخوان والسلف الكويتيان رغم معارضتهما إعطاء المرأة الحق السياسي وبفضل هذا الحق النسوي أن يرفعا من عدد مقاعدهم في مجلس الأمة الكويتي الحالي لما يزيد عن اثني عشر مقعدا في حين تقلص عدد مقاعد التيار الليبرالي المساند للحق السياسي للمرأة لحوالي الثلاثة مقاعد. فالطبيعة الاجتماعية والثقافية المحافظة التي تنشأ المرأة في سياقها يجعل من المحافظة ولربما التبعية الذكورية من نصيب القطاع الأكبر منهن.

إنها في واقع أمرها معضلة ثقافية اجتماعية تجير من قبل هذه التضامنيات لأغراض انتخابية أو سياسية، فهل ستكون المرأة البحرينية قادرة على أن تمثل نموذجا مغايرا للثقافة السائدة أم أن حالها لن يكون بأفضل من حال أخواتها في الكويت، سننتظر حتى نحكم على ذلك قريباً.

كاتب بحريني