في التاريخ البشري كله وفي تاريخ كل أمة وأي شعب، صفحات بيضاء ناصعة وأخرى حالكة السواد، وبين هذه وتلك صفحات «بين بين» ليس فيها بياض كامل أو سواد كلي.
وفي رمضان من كل عام تتسابق الفضائيات (والأرضيات) العربية لعرض مسلسلات توصف بأنها «تاريخية»، قد يستند بعضها إلى وقائع وأحداث حقيقية بينما يكون بعضها الآخر من نسج خيال مؤلفيها أو مخرجيها، دون أن يكون لها من «التاريخية» إلا بعض الديكورات المستعارة أو الأزياء المستوحاة من فترة زمنية أو بيئة معينة، مع كثير من المبالغة إلى حد التزييف أحيانا!
وبما أن التاريخ العربي في الأساس هو تاريخ الحضارة العربية الإسلامية في معظم أجزائه ووقائعه ومنجزاته، فإن المبالغات الدرامية غالبا ما تكون على حساب الحقائق التاريخية مما يؤدي إلى تشويه صورة العرب وحضارة الإسلام في أذهان بعض المشاهدين، أو تشويشها على الأقل. خاصة حين يتم التركيز على حوادث محددة أو أشخاص بعينهم، عمدا وعن سابق إصرار أو جهلا وتقصيرا.
فشخصية مثل الحجاج بن يوسف، على سبيل المثال، لا خلاف على أنه كان يتمتع بقدرات حربية وقتالية كبيرة، لكنها لا تقارن بما كان عليه من ظلم وطغيان وبطش بالخصوم والأعداء وعامة الناس على السواء.
وهو في هذا الجانب صفحة سوداء في تاريخ الإسلام والمسلمين، لكنها لا تمثل أكثر من ذلك (أي صفحة واحدة) في سجل حافل ببياض العدل والمساواة والحرص على حقوق الرعية والرأفة مع الخصوم والأعداء، في السلم كما في ميادين الحرب والقتال.
ومع افتراض حسن النية عند الكثيرين، إلا أن التناول الانتقائي للأحداث والشخصيات أو تجزئة التاريخ وتفصيله وفق مقاسات آنية أو مسايرة لمتغيرات لحظية، سياسية أو غير سياسية، قد يؤدي إلى الوقوع في فخ التعميم والمغالطة.
وما ينتج عن ذلك من تداعيات غير محسوبة، سواء على المستوى الفردي أو على مستوى المجتمع ككل، بل على مجتمعات كثيرة في ظل الإعلام المعولم والفضاء المفتوح على مصاريع يصعب حصرها!
وإذا ما أخذنا بمنطق التعميم هذا، فمعنى ذلك أننا سنلغي تاريخ البشرية كله، إذا كنا لا نراه إلا من خلال حدث هنا أو فقرة هناك في مرحلة معينة من تاريخ هذا الشعب أو ذاك.
ومعنى ذلك، أننا سنلغي الحضارة المعاصرة كلها التي لعب فيها الغرب الدور الأساسي الأكبر، إذا كنا لا نرى في هذا «الغرب»، الأوروبي الأميركي بشكل خاص، سوى أنه كان المنطلق والموطن الأصلي لنظريات وأيديولوجيات كالنازية والفاشية والصهيونية.
أو أن بعض قادته وسياسييه خاضوا حروب إبادة ضد بعض الشعوب أو شنوا حروبا عالمية استخدموا فيها أكثر الأسلحة فتكا ودمارا مثل قنبلتي هيروشيما وناغازاكي!
وفي هذه الحالة فإننا نظلم ونغيب أعمال وجهود كل الفلاسفة والمفكرين والأدباء والعلماء الغربيين الذين قدموا إنجازات وإسهامات كبيرة وكثيرة للإنسانية جمعاء، في مختلف المجالات المعرفية والتخصصات العلمية.
والشيء ذاته ينطبق على الإسلام وتاريخ المسلمين الذي لا يمكن، معرفيا ولا منطقيا، أن يختزل في أشخاص مثل الحجاج في عسفه أو مثل أبي نواس وخمرياته، ولا في أي شخص آخر أو حدث بعينه.
والجهل في هذه الحالة ليس مبررا لتركيب الأحداث و«منتجتها»، لان الخيارات المعرفية كثيرة ومتنوعة ويمكن الرجوع إليها بسهولة من خلال الكتب المرجعية أو المتخصصين المعتمدين، إلا إذا كان في الأمر تجاهل متعمد وتحريف مقصود لتزييف وعي المتلقي وتعبئته بصور نمطية «مفبركة»، بعيدا عن الوقائع والحقائق الثابتة.
ولا يعني هذا، بالطبع، إنكار أو تجاهل الجوانب السلبية التي لا تخلو منها أي تجربة إنسانية، لكن التركيز على هذه الجوانب وحدها وإغفال الجانب الأكبر والمضيء من الصورة فيه ظلم كبير وتعسف واضح، فما بالنا إن كانت السلبيات مفتعلة ولا تقوم على أي أساس واقعي أو عقلاني، كما هو الحال في الكثير مما نسمعه أو نشاهده!
إن التصدي لوقائع التاريخ ومجرياته، يجب ألا يترك لغير المتخصصين القادرين على الفهم والتقصي وكشف الحقائق بصدق وموضوعية، وألا يكون لعبة أو سلعة في أيدي الباحثين عن أي كسب مادي أو دعائي.
ولو ترك لمثل هؤلاء أن ينقبوا في مكبات التاريخ كما يشاءون ويتلاعبوا به تحويرا أو تزويرا، فان النتائج ستكون كارثية على الجميع، بما في ذلك المؤلفون والمنتجون والمخرجون، وإن كان المتلقون هم الضحية الأولى والخاسر الأكبر دون شك.