مع نشر هذا المقال، تخرج إصدارات قمة عدم الانحياز في كوبا من ملفات المفاوضات لتصبح وثائق المؤتمر الذي انعقد للمرة الثانية في هافانا عاصمة كوبا.
في صيف عام 1978، التقت قمة عدم الانحياز في كوبا للمرة الأولى، بعد مفاوضات واتصالات بين الدول المؤثرة من أجل التوصل إلى توافق عام لقبول هافانا كمكان لأول لقاء لعدم الانحياز في العالم الجديد أو قرب سواحل الولايات المتحدة وعلى مرمى حجر من القاعدة الأميركية الدائمة على أراضي كوبا.
كانت الأجواء حادة في صراع الحرب الباردة بين المعسكرين، ولم يكن قائد كوبا حيادياً، وإنما خصماً للولايات المتحدة وحليفاً محافظاً ومندفعاً للاتحاد السوفييتي، وكنت في ذلك ممثلاً للكويت في مجلس الأمن.
وشاركت في الاتصالات التمهيدية حول لياقة كوبا لاستضافة قمة عدم الانحياز، وهي من المآخذ التي جعلت الكثير من الدول الأعضاء في الحركة مترددة في دعم كوبا كمقر للقاء القمة.
وكانت مخاوف الهند ومجموعة كثيرة من الآسيويين والأفارقة والعرب من رئاسة كوبا لها مبرراتها في الخوف من استغلال هذه الرئاسة لتمجيد النهج الماركسي وتصعيد المواجهة مع الولايات المتحدة ومع دول الغرب بشكل عام.
أتذكر ملاحظات الدول على مشروع (إعلان كوبا) الذي قدمته حكومة كاسترو المشحون بالدعوة للمواجهة، وفيه إدخال قضايا غير مسبوقة في مناقشات عدم الانحياز مثل تحرير «بورتوريكو» ودعم حركات التمرد في أميركا اللاتينية، لكن الأهم هو الإدانة المفرطة في الحدة لاتفاق السلام المصري ـ الإسرائيلي.
ترأس الشيخ صباح الأحمد الجابر ـ وزير الخارجية آنذاك ـ الوفد الكويتي، وكنت شخصياً نائباً للرئيس في ذلك المؤتمر كان كاسترو الممتلئ حيوية وحماساً، قاسياً على مصر، ويؤازره آخرون أبرزهم عبد الحليم خدام من سوريا، وصدام حسين من العراق، وعرفات من فلسطين، ويقف ضدهم مجموعة من عقلاء إفريقيا،، بتنسيق مع رئيس الوفد المصري بطرس غالي، يساعده عصمت عبد المجيد وعمرو موسى.
كانت هافانا سوق عكاظ في مناطحات لغوية وثرثرة سياسية عديمة الجدوى تمتد طوال الليل بين مصر ومؤازريها وبين عرفات ومؤازريه، وكان أهل الخليج العقلاء الذين لم يدخلوا حلبة الصراع.
أتذكر ذلك المؤتمر بكثير من الألم بسبب السوقية التي تعرضت لها مصر، لكن العقلاء انتصروا لها عندما توصلت الأغلبية الساحقة بعدم جدوى طرد مصر من الحركة.
كان كاسترو عصبياً ضد مصر، وباقي المجموعة من اليمن الجنوبي إلى وفود اشترتها دول عربية أخرى من حقيبة مملوءة نقداً توزع في ممرات المؤتمر، والجانب الوحيد الإيجابي في ذلك اللقاء كان وجود الرئيس تيتو أحد المهندسين البارزين لحركة عدم الانحياز، كان شيخاً هرماً مريضاً لكنه أصر على الحضور، دعماً للحركة وسعياً لتحقيق التوازن، وقدم أفضل المداخلات ثم خرج من ذلك المؤتمر الذي كان آخر نشاطاته الدولية.
ويعيش التاريخ مرة أخرى الفصل الثاني من أجواء كوبا ورئاستها لعدم الانحياز، ويمكن إبداء بعض الملاحظات:
أولاً: كانت الحركة الجسر السياسي والتفاوضي والمعنوي الذي يتداخل مع المعسكرين أيام الحرب الباردة عندما خرجت الحركة إلى الحياة عام 1961 من مدينة بلغراد.
وواصلت الحركة نهجها في تأمين السلام والأمن العالميين مع مساعٍ مستمرة في اللقاء السياسي وتقريب وجهات النظر لإبعاد احتمالات الانفجار بين القطبين وتداعيات المواجهة النووية وما تعنيه من مخاطر للبشرية وللكون، كانت المساعي واضحة أن الحياة ملك للجميع وليست احتكاراً لموسكو أو واشنطن.
وأن البقاء مسؤولية جماعية تنهض بها جميع الأطراف، وأن سباق التسلح خطر قد ينفلت من إرادة الطرفين، كان للحركة الثقل الفلسفي والسياسي والاستراتيجي، وكانت رسالتها الاهتمام بمواجهة الفقر والتخلف والتركيز على التنمية بدلاً من ضياع الأموال في ما يسمى بتحقيق توازن الرعب.
ثانياً: كانت نظرة الحركة الفلسفية هي إعطاء الأولوية للتخلص من الاستعمار ومن التفرد الأجنبي سواء شرقياً أو غربياً، وإبراز مساوئ القواعد العسكرية ومضار الأحلاف وخراب الاستقطاب، وكانت بيانات الحركة ومداولاتها تثقيفية سليمة تغرس الفكر الإيجابي في التعايش بين الشعوب وعدم التخلي عن مبادئ وأهداف ميثاق الأمم المتحدة.
ثالثاً: كان الاتحاد السوفييتي المستفيد الأكبر من الدور البارز لعدم الانحياز في العلاقات الدولية، لأن الحركة تسعى لتقليص النفوذ الأجنبي داخل دولها، والنفوذ الأجنبي هو بقايا الاستعمار الغربي في إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، وكانت موسكو تشجع الحركة وتدعم اتصالاتها ليس فقط على الصعيد الدولي.
وإنما حتى داخل ممرات الأمم المتحدة، كانت مجموعة الاتحاد السوفييتي تصوت مع الحركة على القرارات الداعية لتصفية الاستعمار، وإزالة الأحلاف وتصفية القواعد العسكرية.
وأتذكر حالات كثيرة، كان الوفد السوفييتي يتصل بي شخصياً عندما كنت ممثلاً للكويت في مجلس الأمن، يقترح عليّ أن أتحدث باسم مجموعة عدم الانحياز داخل مجلس الأمن لان الصوت الجماعي للمجموعة مؤثرا في تغيير مسار المداولات.
كان للمجموعة سبعة أصوات داخل مجلس الأمن وتملك دوراً مميزاً إذا ما تم التوافق بينها، المهم أن الاتحاد السوفييتي تعامل بايجابية مع الحركة بينما خذلتها الولايات المتحدة التي استخفت بها.
تعود الحركة الآن إلى هافانا التي لم تتغير منذ الاجتماع الأول، رغم أن العالم صار قطباً أحاديا اختلفت فيه الثنائية القطبية وصار أيديولوجية واحدة، تبدلت الأولويات وتغيرت الهموم، لكن المشكلة الأساسية تبقى في رئاسة كوبا التي سعت إلى جعل هذا اللقاء الثاني إلى تصعيد المواجهة مع الأحادية القطبية.
وهنا نلاحظ أهم التبدلات:
1ـ كانت مجموعة تيتو هي فرسة الحركة، لم يبق منهم أحد، ولم تبق يوغسلافيا الموحدة التي صارت ست دول، وجاءت مجموعة راديكالية مندفعة وحادة في علاجها للقضايا أبرزها إيران، وفنزويلا، وكوريا الشمالية، والأيديولوجيات الثورية مثل حزب الله وحماس وربما حركة تحرير بورتوريكو، ومجموعة طالبان.
وهذه المجموعة التي تسيدت المؤتمر لا تنسجم مع الرعاية الجوهرية للمبادئ السامية التي تدافع عنها الحركة منذ بدايتها، وأبرزها حقوق الإنسان، الإرهاب، نزع السلاح، والتنمية.
2ـ سيقدم كاسترو الدعم السياسي لإيران في مواجهتها الدولية حول البرنامج النووي، وسيساعد كوريا الشمالية في تحديها للإرادة الدولية، وسيدفع من شأن فنزويلا في تحريرها من عقدة واشنطن، وسيشيد مؤتمر عدم الانحياز بحق إيران في الوصول إلى توازن الرعب في المنطقة.
3ـ لن يسمح كاسترو لأي نقد نحو السياسة التي تتبناها إيران، ولا المطالبة بتأمين حقوق الإنسان في كوريا الشمالية التي تعيش بعثاتها الدبلوماسية على تجارة التهريب، ولا الاهتمام بالالتزام بقواعد السلوك الدولي وبنهج معتدل وعقلاني في العلاقات الدولية، وسيخرج المؤتمر بالصيغة التي تريدها كوبا.
أتذكر موقف كوبا من كارثة الاحتلال عندما كانت عضواً في مجلس الأمن في معارضتها لكل القرارات المتعلقة بالغزو، ورفضها إدانة الاحتلال، وكان اليمن الذي كان عضوا في مجلس الأمن آنذاك ينافس كوبا في معارضته للقرارات.
وأتذكر اجتماع عدم الانحياز في نيويورك الذي ناقش بند الاحتلال على جدول أعماله، وكان الاجتماع برئاسة وزير خارجية يوغسلافيا، كنت جالسا في المقاعد الخلفية استمع إلى صوت وزير خارجية كوبا (السيد ميرميكا) الذي خرج عن طوره وذهب إلى رئيس الجلسة في حالة من الغضب والهيجان مهدداً الرئيس لأنه أنهى الاجتماع بإدانة الاحتلال.
تتحدث كوبا الآن عن قيم عدم الانحياز التي لم تلتزم بها أيام الاحتلال وتوظفها الآن لمصالحها ولفائدة الآخرين فاقدي اللياقة السياسية والأدبية في المجتمع الدولي.
أين العالم المتطور والمتبدل من حالة كوبا التي تعيش في حالة من الفنتازيا الثورية!
كاتب كويتي
Abdullah_bishara@yahoo.com
