بات يتعين أن تتشكل الحكومة الفلسطينية بمزاج دولي يغلب عليه اللون الغربي، وبينما يجهد الفرقاء داخل الأراضي الفلسطينية أنفسهم وصولا لاتفاقيات تتيح لهم التعايش في الحكم وتصريف الأمور بناءً على توافقات لا تخل بالأدوار والمواقف والمبادئ لكل منهم، فإنهم مجبرون من ناحية أخرى على التعاطي مع مرئيات دولية غربية في غالب الأمر، وتستمد منطلقاتها، بصفة أساسية من إسرائيل.
أي أن إسرائيل لا تمارس سطوتها بآلتها العسكرية المتفوقة فقط، بل هي تضع الأقنعة اللازمة، وتتسلل عبر شركائها إلى دائرة الدبلوماسية وتحاول فرض الشروط التي تبدو وكأنها من هذه الدولة أو تلك، بينما هي إسرائيلية قلبا وقالبا، ولهذا نرى بوضوح كم هو التطابق كبير بين ما يُقال في إسرائيل من شروط ومواقف وما يتردد في عدة عواصم غربية.
ولهذا فإن الفلسطينيين يدركون أنه مهما كان عظم التوافق بين الحركتين الكبيرتين في ساحتهم، فتح وحماس، نحو تشكيل الحكومة، فإن الأصوات الغربية لا تكف عن التدخل من أجل إدخال عناصر من شأنها إرضاء إسرائيل.
وشهدنا كيف كانت التصريحات متفائلة من قبل الحركتين الأسبوع الماضي وأنهما أوشكتا على تكوين حكومة الوحدة الوطنية بناءً على وثيقة الوفاق الوطني التي تم التوصل إليها قبل ثلاثة أشهر، لكننا نرى الآن كماً هائلاً من الضغوط الغربية المكثفة التي ترى في التوافق الفلسطيني الأخير أمراً لا يتفق والطموحات الغربية خصوصا شكل الحكومة المرتقبة.
ويبدو من المهم أن يتمسك الفلسطينيون بما توصلوا إليه من تفاهمات، وأن يستمعوا بقلوب مفتوحة إلى الاقتراحات القادمة إليهم من الخارج، وهم يفعلون ذلك دوما، لكن عند استعراض هذه المقترحات ينبغي إخضاعها للرغبة المشتركة لكل الفصائل وليس فقط الاكتفاء بمطابقتها مع طروحات هذا الفصيل أو ذاك، فالذين يحاولون فرض الشروط من الخارج لا يستهدفون فقط تمريرها، وإنما أيضا الإبقاء على قدر من التوجس والشكوك بين الفصائل والاحتفاظ بمسافات بينها تتيح لهم التسلل متى شاءوا في الشؤون الفلسطينية.
ووفقا لذلك فإن أي توقف، حتى وإن كان لأسباب موضوعية للحوار الفلسطيني المستهدف تشكيل الحكومة، يجري تفسيره على أنه تم بسبب الخلافات، فعندما علقت المفاوضات لسفر الرئيس الفلسطيني للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة برزت العناوين التي تتحدث عن خلافات حتى جرى نفي ذلك من أحد طرفي المفاوضات..
ومن المهم إدراك إلى أي مدى يجري استهداف الوحدة الفلسطينية، وأن البعض يتعلق بأوهى الأسباب من اجل تحقيق ذلك أو الترويج لحالة تفتت غير موجودة في الصف الفلسطيني، وينبغي أن يكون الوعي بهذا الاستهداف حيا على الدوام من أجل إحباط هذه المؤامرات التي لا تتوقف.