نكمل الحديث عن الاندماج الثقافي الذي اهتمت الزميلة «جلف نيوز» بتسليط الضوء عليه من خلال استعراض عدد من آراء الوافدين، عرباً وغربيين بالإضافة إلى آسيويين ومواطنين، القضية التي أثارتها «جلف نيوز» في غاية الأهمية وبحاجة لأن تأخذ حيزا أكبر من اهتمامنا .

ومن جميع المستويات والمجالات، لاسيما والأفراد في دبي يتعايشون مع مئتي جنسية تتباين في ثقافاتها، الأمر الذي يتطلب منا جميعا كمواطنين ووافدين الحرص على الاندماج ثقافيا واجتماعيا في دبي أكثر من أي وقت مضى لاعتبارات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية وثقافية.

المواطنون بلا شك متعايشون مع الوافدين في أمن وسلام، والبيئات العملية أصبحت أكبر وسيلة للاحتكاك فيما بينهم، لكن الأمر الذي لا نختلف عليه هو صعوبة الاندماج من الناحيتين الثقافية والاجتماعية بين هذه الجنسيات لعدة أسباب، بدءاً باللغة وانتهاء بمخاوف أهل البلد من التواجد الأجنبي في الدولة الذي يقود المنحنى إلى اتجاه تصاعدي في شأن التركيبة السكانية وفي شأن الهوية الوطنية.

خلل التركيبة السكانية واقع نعايشه ليس من اليوم فحسب بل منذ سنوات، والتعدد في الجنسيات والثقافات في دبي أصبح واقعا أيضاً منذ أن أعلنت دبي عن خططها لأن تكون مدينة عالمية، سواء على أرضها من خلال استقطاب جميع الجنسيات، أومن خلال سمعة ناجحة تضع لها بصمة في كل بقاع العالم. وهذا الواقع يفرض تحديات كبيرة.

ويتطلب منا كمواطنين قبل أي جنسية أخرى أن نبحث عن آليات تبرز هويتنا وجهودنا وسط هذا الخليط الاجتماعي، ويتطلب منا تحويل مخاوفنا بخصوص الشأن الأجنبي إلى أدوات تزيد من قوتنا بدل ان تسبب لنا إحباطا وضعفاً ينعكسان على نفسياتنا وإنتاجنا، وقبولنا بالآخر في أرضنا، وهو ما يتعارض مع مصالحنا.

منذ يومين قرأنا عن شكوى تربويين وأولياء أمور من الرسوم التوضيحية في مادة التربية الوطنية للصف التاسع. فالصورة الكاريكاتيرية جاءت بما يسيء إلى شخصية المواطن الإماراتي من خلال رسمه على أنه كائن منقرض موجود داخل متحف ومحاط بزوار رسمت شخصياتهم من وحي الجنسيات المتعايشة في الإمارات.

ومما لا شك فيه ان هذا الرسم الكاريكاتيري محبط بشكل كبير للطلبة في المدارس، ويساعد على حقنهم بالغضب والعنصرية تجاه الآخر، ويتراجع بوعيهم عن واقع يعيشونه ويتعايشون فيه مع مئتي جنسية على أرضهم.

وهو الأمر الذي سيوجد حقيقة العنصرية بين الأجيال القادمة ويذكيها، وهو مالا نتمناه وما لا نسعى لنراه على أرض الإمارات وان كنا أقلية في الدولة مقابل أغلبية من الأجانب، لكن طالما أنه واقع فلابد من التكيف معه بقوة وموضوعية واتزان.

كلنا يدرك تحديات خلل التركيبة السكانية، وكلنا يتخوف من آثارها على الهوية المحلية والحقوق والامتيازات، لكن ذلك لابد ألا يقودنا لترسيخ هذه المخاوف مبكراً في نفوس طلبة المدارس بدلا عن ترسيخ مبدأ قبول الآخر والتحاور معه فيما يخدم مصالحنا الوطنية.

نحن في دبي خاصة والإمارات عامة نعيش مع الجنسيات المختلفة بسلام ولم يقع إلى الآن ما ينبئ بانشقاق في المجتمع، لكن ما نرجوه هو أن نسعى كمواطنين قبل الجميع، من أعلى المستويات وجميعها، بالإضافة إلى الوافدين باختلاف جنسياتهم للاتفاق على صيغ تقربنا من فهم بعضنا البعض وتدمجنا اجتماعيا وثقافيا بدل الاكتفاء بالاندماج الذي يفرضه علينا واقع المال والأعمال.

maysaghadeer@yahoo.com