سنوات خمس مرت على حدث الحادي عشر من سبتمبر الذي كان شرارة انطلاق لحرب أميركية ضروس على «الإرهاب الدولي»، بدأت بشعار ذي طابع فاشستي يقول «من ليس معنا فهو ضدنا»، وبخطاب مغال في الغرور يعتقد أن بوسع واشنطن أن تستأصل شأفة التنظيمات «الإرهابية» المناوئة لها تماما، وتجعلها مجرد ماض انتهى ولن يعود أبدا.

لكن شيئا من هذا لم يتحقق على الوجه الأكمل، فتنظيم «القاعدة» لم يمت بالضربات القوية التي وجهتها إليه الولايات المتحدة وفككت بها قواعده المادية وبعض ارتباطاته المعنوية على أرض أفغانستان، بل راح يجمع أشلاءه المتناثرة، ويوقظ خلاياه النائمة أو «المنتظرة» و«المتربصة» تحت اسم جديد هو «قاعدة الجهاد»، ليصعد تدريجيا إلى واجهة الأحداث مرة أخرى.

ويضع نفسه في موقع «المزعج» إن لم يكن «المهدد» الحقيقي لمصالح واشنطن في العالم، و«المتحدى» الأبرز لهيمنة الإمبراطورية الأميركية، في وقت تقدم فيه الدول التي وضعتها واشنطن تحت لافتة «الدول المارقة» أو «محور الشر» تنازلات محسوبة تقيها من ضربة عسكرية على غرار ما حدث للعراق، الذي وجد نفسه محتلا بذرائع عدة من بينها أن الإطاحة بصدام حسين هي حلقة مهمة في سلسلة الحرب الأميركية على الإرهاب الدولي.

نعم أدت الضربات القوية التي تعرضت لها معسكرات «تنظيم القاعدة» على الأرض الأفغانية إلى تشتت عناصره، وفقدان قيادته مزية الاتصال المباشر مع أغلب أعضائه المرابطين هناك، وفقدانها ـ وهذا هو الأهم ـ الدولة الحاضنة للتنظيم والتي كانت تتمثل في «إمارة» طالبان، التي كانت تجمعها بالتنظيم صلات الأفكار والتصورات والمصالح المشتركة.

لكن التنظيم حافظ على قدر من التماسك، مع نجاة قيادته الأساسية الفاعلة، بما أهله للبقاء على قيد الحياة، وجعله مستمرا في امتلاك القدرة على توجيه ضربات موجعة لأهداف أميركية وغيرها، سواء بالمسؤولية المباشرة أو التبني أم بمباركة العمل من دون تبينه صراحة.

وإذا كان التنظيم قد فقد إمارة طالبان حاضنا مخلصا فإنه لم يلبث أن وجد «الوطن البديل» له في العراق المحتل، فتأسس تنظيم فرعي له يسمى «تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين»، لا يزال يشارك في قتال الأميركيين، ويوقع بهم خسائر فادحة، دون أن يفقد «الحاضن» تماما، ممثلا هذه المرة في عناصر حزب البعث العراقي الذي تم إزاحته عن السلطة، وأتباع بعض التنظيمات الراديكالية الإسلامية العراقية.

في الوقت نفسه عادت طالبان إلى الوجود، وجمعت فلولها، ونظمت صفوفها، ودخلت في قتال متصاعد ضد القوات الأجنبية المتواجدة على الأرض الأفغانية والقوات الحكومية المتحالفة معها، في محاولة لاستعادة السلطة المفقودة والمجد الضائع.

وفي ركابها يسير تنظيم القاعدة، مشمولا بالحماية والرعاية، ومشاركا في القتال، وبالغا حدا من «القوة» جعله يزاوج بين قتال من يسميه «العدو البعيد» متمثلا في الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما، و«العدو القريب» متركزا في بعض الأنظمة الحاكمة في العالمين العربي والإسلامي.

ولذا وجدنا خطين متوازيين للعمليات الإرهابية، الأول ضرب مدريد ولندن وهدد مرارا بضرب بلدان غربية أخرى، والثاني ضرب العقبة وعمان في الأردن، وطابا وشرم الشيخ ودهب بسيناء في مصر، ومدن وبلدات عدة في المملكة العربية السعودية، وبعض بلدان الخليج العربي، وتونس والمغرب وأندونيسيا.

في المقابل تصاعد «إرهاب الدولة» الأميركية إلى أقصى حد، متمثلا في مزيد من انتهاكات مخزية لحقوق الإنسان في العراق وغوانتانامو، وفرض رقابة صارمة على المسلمين والعرب داخل الولايات المتحدة، وامتداد هذا التضييق الأمني في بعض جوانبه إلى بقية الأميركيين من مختلف الملل والنحل، واتساع القبضة الأمنية الأميركية إلى دول أخرى في أوروبا وغيرها، ثبتت مشاركتها في هذه الانتهاكات من خلال عمليات الاعتقال والتحقيق والتعذيب والسجن والملاحقات والمطاردات.

وتوازى هذا مع استمراء أميركا سياسة القوة العسكرية السافرة في مواجهة من تعتبرها تنظيمات إرهابية، وآخرها حزب الله اللبناني، الذي حرضت واشنطن ربيبتها إسرائيل وأمدتها بكل دعم مادي ومعنوي مستطاع من أجل القضاء عليه، لكنها منيت بفشل ذريع.

هذا الفشل جعل العالم كله، بما فيه الأميركيون، يتساءل بملء الأفواه عن جدوى اعتماد البطش الأمني والتدخل العسكري السافر سبيلا إلى محاربة الإرهاب، ويؤمن من صميم القلوب بأن العالم صار أكثر خطرا بعد خمس سنوات من حدث 11 سبتمبر.

مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة