يعتبر الخوف غريزة طبيعية يتصف بها كل إنسان، ولا يستطيع أحد من الناس التخلص منها مهما فعل، وهذا يجعل الخوف ذا تبعات نفسية واجتماعية مهمة، كثيرا ما تكون سلبية على حياة الفرد والمجتمع عامة.

وعلى الرغم من أن بالإمكان إضعاف مسببات الخوف وتقليل شواهده على أرض الواقع، وبالتالي حصر وجوده ومحاصرة تبعاته، إلا أن هاجس الخوف يبقى ماثلا أمام أعين الفرد والمجتمع في كل الأحيان. وهذا يجعل الخوف قضية قابلة للتفعيل والاستغلال من قبل السلطة السياسية أو الدينية أو الاجتماعية المهيمنة على المجتمع، وتحويله إلى حالة مجتمعية مرضية وخيمة العواقب.

يميل الناس عادة إلى الخوف من القوي والظالم، ومن القوى الحقيقية والوهمية التي لا يستطيعون السيطرة عليها ويعتقدون أنها تتمتع بسلطات كبيرة في مقدورها إلحاق العقاب والأذى بهم. ويكون مصدر الخوف إما حقيقيا يمكن رؤيته والتحاور معه.

وذلك كما هو الحال بالنسبة للأب في بيت عربي تقليدي، أو غير مرئي يتخيله الإنسان وتجسده قوى سلطوية فوقية غيبية لا يمكن الاتصال بها والتحاور معها. كما أن من الممكن أن يكون مصدر الخوف سلطويا دنيويا تجسده مؤسسات وأجهزة حكومية يصعب الاتصال بها ويندر التحاور معها.

فعلى سبيل المثال، يصعب الاتصال بواضعي القوانين ولا يمكن التحاور مع القانون وإقناعه بتغيير رأيه، بينما من الممكن الاتصال بالأب والتحاور معه وإقناعه بتغيير رأيه أحيانا. وفي المقابل، لا يمكن الاتصال بالقوى الوهمية للتحاور معها ومحاولة إقناعها بتغيير رأيها بالنسبة لما يهم الإنسان من قضايا إيمانية وغير إيمانية تؤثر في حياته ومستقبله.

من ناحية أخرى، تجسد بعض الأشياء كالليل والجبال الشاهقة والعواصف العاتية والوحوش الضارية مصادر خوف حقيقية أحيانا ووهمية أحيانا أخرى تتراوح حدتها بين شخص وآخر وبين مجتمع وآخر.

ومهما قيل عن الخوف، ومهما تعددت مصادره وشواهده، فإن المجتمعات المختلفة نجحت في التعامل معه والسيطرة على بعض مصادره، وذلك من خلال استيعابه كجزء من التقاليد الثقافية السائدة، أو من خلال رفع مكانة الفرد في المجتمع بحيث أصبح بإمكانه السيطرة على غالبية مصادر الخوف ومحاصرتها.

وبالتحديد، يمكن القول إن المجتمعات الديمقراطية التي يعترف المجتمع فيها بحقوق الفرد، ومنها حقه في التعبير عن رأيه والمشاركة الفاعلة في اتخاذ القرارات المصيرية التي تأثر في حياته، جعلت بالإمكان التحكم في معظم مصادر الخوف التي تنبع من السلطة السياسية والدينية والاجتماعية المهيمنة وترتبط بها.

إن الوجود الغريزي للخوف، وإيمان الناس عامة بوجود مصادر خوف دائمة وقادرة على إلحاق الأذى بهم، جعل بإمكان السلطة المهيمنة على حياة الفرد والمجتمع اللجوء إلى استخدام الخوف سلاحا للسيطرة على الناس وابتزازهم. إذ من خلال تخويف الناس من جبروت المجهول.

وتذكيرهم بأحداث ماضوية مأساوية، وإقناعهم بوجود أخطار تهدد أمنهم وحياتهم، تقوم السلطة المهيمنة على المجتمع أو على فئة منه بدفع الناس في اتجاهات قد تتعارض مع رغباتهم ولا تخدم مصالحهم، وإجبارهم بالتالي على اتخاذ مواقف لا يتخذونها في ظل أوضاع حياتية عادية خالية من الخوف والتهديد.

وعلى سبيل المثال، لجأت بعض أنظمة الحكم العربية، وعلى مدى عقود متتالية، إلى تخويف شعوبها من التغيير، وإقناعهم بأن غياب بعض القيادات الوطنية عن ساحة العمل السياسي ستكون له عواقب وخيمة أو كارثية، ولقد كان من نتيجة ممارسة سياسة التخويف تلك تجميد الأوضاع السياسية وغير السياسية لعقود.

والاستمرار في كبت الحريات وتعطيل محاولات الإصلاح والتنمية لحساب الحفاظ على أمن النظام، وتنامي نفوذ التيار الديني الأصولي واتجاهه نحو المزيد من التطرف فكرا وعملا. كما كان من نتائج ذلك أيضا تفتت المجتمع العربي إلى ثقافات ومجتمعات فئوية، وطغيان حالة الإحباط واليأس على الشارع العربي.

وتكريس حالة التخلف والتبعية على الأرض العربية، وتراجع دور العرب، سياسة وثقافة وعلما واقتصادا، على الساحة الدولية. وبعد أن غابت شمس تلك القيادات جميعا اكتشف الناس أن حالة الاستقرار لم تتأثر، وأن الحريات تحسنت أحيانا وساءت أحيانا أخرى، وأن الاقتصاديات الوطنية شهدت تحركا ايجابيا في بعض تلك الدول، وأن الشعوب العربية عموما فقدت فرصتها في التغيير والنهوض حين كان ذلك ممكنا.

وكما لجأت أنظمة الحكم العربية إلى ممارسة سياسة التخويف للسيطرة على الناس وابتزازهم لعقود، والتسبب بالتالي في رجوعهم إلى الخلف فكريا وثقافيا واجتماعيا وتخلفهم عن العصر، يقوم الرئيس بوش اليوم بممارسة نفس تلك السياسة في أميركا لتخويف الشعب الأميركي وجره نحو المزيد من التطرف والعنصرية.

واتخاذ مواقف غير عقلانية وغير أخلاقية تتعارض مع مصالحه الوطنية، وتدخله مرغما في صراع مع الآخر. إن مما لا شك فيه أن الرئيس بوش وحزبه الجمهوري الحاكم استفادا من سياسة التخويف بعد أحداث سبتمبر عام 2001 .

حيث أعيد انتخابه لفترة رئاسية ثانية رغم سجله الحافل بالفشل في المجالات المختلفة. ويقوم الرئيس الأميركي اليوم بتذكير الأميركيين بأحداث سبتمبر المؤسفة، ليس من قبيل حثهم على وعي أسبابها وتفهم دوافعها والعمل على تجاوزها، بل من أجل تكريس الخوف في قلوبهم، وإجبارهم على وضع الاعتبارات الأمنية فوق سلم الأولويات في برامجهم الانتخابية وهمومهم الشخصية والوطنية.

وهكذا، تساهم سياسة التخويف الأميركية في زيادة عزلة أميركا عن العالم، وتعميق شكوك الغير من الشعوب في عقلانية قراراتها ومصداقيتها، والخوف منها ومن سياساتها العنصرية، واعتبارها خطرا على الأمن والاستقرار العالميين.

إن الشعوب التي تعاني من الخوف وتقوم السلطة المهيمنة عليهم بممارسة سياسة التخويف، هي شعوب مغلوبة على أمرها، سائرة نحو المزيد من التخلف والتطرف وسيادة ثقافة الكبت والإرهاب التي تعمل على إغلاق العقل وفساد الخلق وتعفن الضمير.

إن من الممكن أن تساهم سياسة التخويف، وذلك كما أثبتت التجارب العربية وتجارب غيرها من دول نامية، في تحقيق مكاسب شخصية أو حزبية أو فئوية، لكنها تقود في كل الحالات والأحيان إلى كوارث إنسانية ومآس وطنية وتشوهات مجتمعية لا عد ولا حصر لها.

أكاديمي أميركي من أصل عربي