هدير حروب الاتهامات، الناشبة في المنطقة، يصمّ الآذان. التراشق المحلي بقذائفها تضجّ به ساحاتها الملتهبة، وكأن حروب الآخرين عليها لا تكفيها.

أو كأن التأزيم الداخلي وتعميق الشرخ صار أحد الشروط اللازمة، لمواجهة التحديات الكبيرة، القواسم المشتركة سرعان ما يجري اسقاطها أو تجاهلها ومكانها تحل لغة «التواطؤ» و«الغدر» و«التخوين»، الأمر الذي يصبّ في تأجيج التوتر والتأزيم ويقدم خدمة مجانية للمعتدين وللذين يستهدفون هذه الساحات. فضلاً عما تتسبب به حروب التراشق هذه من هدر ونزف للطاقات وبالتالي لمستلزمات المواجهات الدائرة.

فمن لبنان إلى العراق مروراً بالوضع الفلسطيني؛ ليس هناك ما يلفت أكثر من هذه الظاهرة.

في لبنان اندفع الأطراف إلى ساحة سجال، تكاد الضوابط تتلاشى فيها، الذخيرة المستخدمة تهدد بنسف الجسور وتعميق الهوة، إلى الحد الذي تصبح معه عملية الردم صعبة، إذا لم تكن متعذرة، والمقلق أن المنحى الذي أخذته في الأيام الأخيرة يؤشر إلى حدة الاستقطاب والفرز؛ كما إلى تضاؤل الكوابح القادرة على لجم هذا التداعي؛ إن لم يكن وقفه.

يعزز المخاوف أن التلويح بالتسارع بدأ يطفو على سطح الخطاب؛ الملتهب أصلاً. وحتى لو كان ذلك من باب التهويل التكتيكي، فإن مجرد التلميح إلى هذا الخيار هو بحد ذاته عنصر تأجيج وتأزيم.

الوضع الفلسطيني هو الآخر، لا تغيب عنه حرب الاتهامات. وآخر جولاتها التراشق المتبادل بين السلطة والحكومة؛ حول الحكومة الجديدة الموعودة واحتمالاتها. والأنكى هنا أنه كان قد حصل توافق بينهما على تشكيل مثل هذه الحكومة، التي ستشارك فيها كافة الأطراف. فجأة برزت الاختلافات في التفاصيل، كما برز تأجيل البحث بأمرها حتى وقت لاحق من الشهر الجاري، وراح كل واحد يرمي بمسؤولية التعثر على الآخر.

أما في العراق فمثل هذه الحرب مندلعة منذ زمن، في الآونة الأخيرة علت نبرتها مع ارتفاع وتيرة الانفلات الأمني والموت بالجملة؛ على يد «فرق الموت» المتجولة، ثم مع فتح ملف الفيدرالية، والعلم، أخذت هذه الأجواء شحنة إضافية من التصعيد في تعنيف الخطاب المتداول، بين القوى الفاعلة، كل طرف يؤشر بإصبع الاتهام إلى الآخر.

المفجع أن هذه الساحات الثلاث المنشغلة بصراعاتها الداخلية، كلها تحت الاحتلال الأميركي والإسرائيلي وتمر في منعطف مصيري وخطير. حروبها الاتهامية تزيد من انكشاف أوضاعها، بقدر ما تؤدي إلى تعطيل الحوار الداخلي بينها والتي هي أحوج ما تكون إليه، فهي بأمس الحاجة إلى الإسراع في تحديد قواسمها المشتركة للتوافق حولها؛ باعتبارها خشبة الخلاص.

ما يحصل هو العكس، كل الاختلافات يجري تكبيرها وإعطاؤها الأولوية، حيث صارت الخلافات الداخلية، العقبة الكأداء في طريق الخلاص.

وحده الحوار يوفر المخرج الإنقاذي، وعندما كان يتم اللجوء إلى هذا الخيار، سواء في لبنان أو فلسطين أو العراق؛ كانت الأجواء تشهد حالة من الاسترخاء والتفاؤل، لكن عودة التوتر كانت تطيح بذلك. والآن لابد من العودة إلى الطاولة في هذه الساحات قبل أن تستفحل حروب الاتهامات وتؤدي إلى هبوط الهيكل على من فيه.